![]() |
يران بين الانكشاف والتوافق الإقليمي: قراءة في الصبر الاستراتيجي
يران بين الانكشاف والتوافق الإقليمي: قراءة في الصبر الاستراتيجي https://www.aljazeera.net/wp-content...513&quality=80 الأقمار الصناعية ترصد تموضع حاملة مسيرات إيرانية قرب مضيق هرمز (غوغل مابس) 4/2/2026 لم يعد الحديث عن هجوم أمريكي محتمل على إيران يدور في نطاق السنوات أو الأشهر، بل بات يتداول بالأسابيع؛ وربما، عند نشر هذا المقال، بالأيام أو حتى الساعات. فالولايات المتحدة تحاصر إيران بحشد عسكري كبير، وقد استمع الرئيس الأمريكي أخيرا إلى سيناريوهات حرب محتملة من الجهات المختصة. وبالنظر إلى تاريخ الحروب الأمريكية، ليس من الصعب القول إن الاستعدادات قد اكتملت إلى حد بعيد. في هذا المقال سنقارب التوتر من زاوية مختلفة، ونناقش مخارج ممكنة، على أن نفعل ذلك بصدق في رؤية أخطاء إيران، وبالتعاطف مع المشاعر الحقيقية لمجتمعات المسلمين في المنطقة. أين أخطأت إيران؟ هل قدمت إيران بعد الثورة الإسلامية اختبارا ناجحا في مجالات الاقتصاد والتعليم والثقافة والفنون والصناعة والعسكر والعلاقات الدولية؟ هل يعيش معظم الشعب الإيراني في رفاه، أم تربك الشوارع بأجندات افتراضية وغير واقعية؟ هل أحسنت إيران منذ الثورة إلى علاقاتها مع الدول الإسلامية الأخرى، واحترمت سيادة كل منها؟ أم إنها لا تنتظر الاحترام من الآخرين إلا عندما تصبح سيادتها نفسها على شفا الزوال؟ وهل امتنعت إيران تماما عن أي تعاون مع الولايات المتحدة، الساعية إلى الاضطرابات والاحتلالات في هذه الجغرافيا، ولم تسل قط دما لمسلمين، حتى تدين اليوم الدول التي تستضيف قواعد أمريكية وتتهمها وتهدد بضربها؟ هذه الأسئلة تعكس المشاعر الحقيقية التي تتقاسمها في العمق مجتمعات مسلمة كثيرة في المنطقة (من تركيا إلى العالم العربي). فالغضب وعدم الثقة تجاه سياسات إيران واسعتان، كما تنتشر صورة "دولة لا تنجح في إيصال شعبها إلى الرفاه، لكنها تخلخل المنطقة على أساس مذهبي". هذه الانتقادات ليست بلا أساس؛ غير أن المشاعر نفسها تنتج، في المقابل، نفورا عميقا ورد فعل وجدانيا ضد أي عدوان خارجي على بلد مسلم، خصوصا إذا كان بيد الولايات المتحدة أو إسرائيل. تسود قناعة مفادها: "نعم، هناك مشكلات، لكن هذا ليس حلا". والسؤال الجوهري، بدل الغرق في محاسبة الماضي، هو: كيف أصبحت إيران هدفا مكشوفا إلى هذا الحد؟ من أين بدأ الانكشاف؟ يعد اغتيال قاسم سليماني في 3 يناير/كانون الثاني 2020 نقطة تحول. فقد بقي رد إيران على استهداف أحد أهم رموزها ردا شكليا ورمزيا. ماذا ينبغي على إيران أن تفعل؟كان ذلك بداية الكابوس. ثم جاء قصف السفارة الإيرانية في دمشق في 1 أبريل/نيسان 2024، وتكرر الاكتفاء بردود شكلية. هذه الشكليات قادت إلى تآكل تدريجي للجهات المدعومة من إيران (كنظام بشار الأسد وحزب الله)، وسقط مشروع "الهلال الشيعي" في سلة المهملات. أدى تغيير النظام في سوريا إلى جعل إيران هدفا مكشوفا مباشرة. فالدفاع عن بشار وحزب الله كان دفاعا عن طهران. ومع كل قلعة متقدمة تسلم، أفسحت الردود الشكلية المجال لإسرائيل كي تمعن في تجريد إيران من هيبتها. هذه المرة قدمت إيران ردودا غير شكلية لكنها غير كافية. ومن تنزع عنه العزة مرة لا يستعيدها؛ فالعزة تمنح ولا تكتسب. لقد قادت هذه الإستراتيجية الخاطئة إلى تعريض وجود إيران ذاته للخطر. تعد "مسيرة المهتران" التركية الشهيرة (خطوتان إلى الأمام وخطوة إلى الخلف) نموذجا قويا في السياسة: قد تبطئ الوصول إلى الهدف، لكنها تضمن بلوغه. والتحول في سوريا مثال حي. على إيران أن تضبط مقاربتها السياسية على إيقاع المهتران، وأن تخطط على المدى الطويل. من دون التخلي عن ادعاءاتها الأساسية، ينبغي أن تعيد بناء سياستها الداخلية بما يرضي الشعب، وأن تعيش بسلام مع جيرانها بلا أجندات خفية، وأن تضفي الجدية على الدولة. وإلا فإنها، وهي تسعى لاستخدام أوصاف "العظمة" و"القوة" و"القدم"، قد تفقد وجودها نفسه. ولا معنى للصفات من دون موصوف. ومن الضروري، على وجه الاستعجال، إصلاح العلاقات مع السعودية وتركيا؛ فموقف هذين البلدين سيكون حاسما في استمرار وجود إيران. هنا قد يفيد التفسير المعاصر لمفهوم "العصبية" عند ابن خلدون، أي "العصبية الجديدة": تضامن لا يقوم على المذهب أو السلالة، بل على إدراك التهديد المشترك، وحق السيادة، والعدالة الإقليمية. والمفارقة أن التحركات الإسرائيلية العدوانية مرشحة لإنتاج هذه العصبية الجديدة. إن نزعات التحالف الآخذة في التبلور بين تركيا، والسعودية، وقطر، ومصر، وباكستان لا تحمل منطق الانتقام، بل إمكان قيام نظام وقائي ومتوازن. ومشاركة إيران الصادقة في هذا المسار قد تتيح تضامنا يتجاوز الفوارق المذهبية ويحترم سيادة الدول الإسلامية. من شأن ذلك أن يخرج إيران من العزلة ويميل كفة أي مواجهة محتملة لصالحها (وهذا هو الشعور المشترك لمجتمعات المنطقة): وحدة في مواجهة العدوان، لا انتقام، بل عدالة. كما ينبغي اختبار العلاقات مع الصين وروسيا عمليا قبل أي هجوم محتمل. فإذا تبين أن هذين البلدين لن يقدما دعما حقيقيا في حرب فعلية (وهو ما يبدو مرجحا)، فإن التخلي عنهما قبل الحرب قد يشكل ورقة تفاوض مفيدة. ماذا ستفعل إيران؟ سيناريوهات واقعية إذا أغلق طريق الاتفاق، يبقى خياران: - الأول، الذهاب إلى تغيير النظام وتسليم القيادة؛ وهذا يعني إهدار كرامة الشعب الإيراني، وأن كل خطوة تتخذ بلا كرامة تنتهي بكارثة.- الثاني، تخطيط الحرب، مهما كان حجم الضربة، على امتداد سنوات طويلة. وخلال الحرب يجب أن يكون الهدف الوحيد والأولوية المطلقة هو إسرائيل. فالضربات الواقعية والجدية ضد إسرائيل تجبر الولايات المتحدة على الاتفاق. الولايات المتحدة التي تضرب إيران وفق الإستراتيجية الإسرائيلية لا تردع إلا عندما تواجه إسرائيل خطر الزوال. وكلما ظهر هذا الخطر مبكرا، كان الخلاص أسرع. كلمة أخيرة مهما تكن أخطاء إيران، فإن تمجيد أو تبرير أو استساغة أي عدوان محتمل عليها ليس صائبا سياسيا ولا وجدانيا ولا أخلاقيا. وهذا ما تقوله أيضا المشاعر الحقيقية لمجتمعات المسلمين في المنطقة: ثمة غضب من أخطاء إيران، لكن الدمار القادم من الخارج على بلد مسلم يوجع الضمائر. نعم، إيران فاعل منتج للمشكلات؛ غير أن حل هذه المشكلات لا يكون لمصلحة إسرائيل وبأسلحة الولايات المتحدة، بل بتوافق الدول الإسلامية ودبلوماسيتها. ملاحظة: مسيرة المهتر، سياسة التقدم البطيء المحسوب بخطوتين إلى الأمام وخطوة إلى الخلف. أصلها تعبير تركي (Mehter Yürüyüşü) مستلهم من موسيقى عسكرية عثمانية.هذه الانتقادات تنبع من الأخوة، ومن آلامنا المشتركة، ومن القلق على مستقبلنا؛ غايتها ليست الهدم، بل الإصلاح والتوافق من أجل كرامتنا وطمأنينتنا جميعا. لا يزال الباب مفتوحا. فمسيرة المهتر، مع الصبر الإستراتيجي والتوافق الإقليمي الصادق (المتوافق مع مشاعرنا المشتركة)، قد تمنح إيران فرصة الحفاظ على سيادتها وكرامتها. الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة. المصدر: الجزيرة نت |
| الساعة الآن 08:14 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir