![]() |
مقاربة أمريكية للأمن الخليجي.. نحو نموذج تعاقدي جديد
مقاربة أمريكية للأمن الخليجي.. نحو نموذج تعاقدي جديد سليمان العقيليhttps://www.aljazeera.net/wp-content...513&quality=80 تجهيز طائرة مقاتلة أمريكية على متن حاملة طائرات في بحر العرب (سينتكوم) 22/6/2026 في حديثه إلى صحيفة "نيويورك تايمز"، يوم الاثنين 15 يونيو/حزيران 2026، لم يقل دونالد ترمب شيئا جديدا بقدر ما قاله بوضوح غير معتاد. الرجل لا يرى الولايات المتحدة حارسا لتحالفات أو لقيم، بل شركة كبرى تدير شبكة مصالح. وحين تتحول الحماية الأمنية إلى بند تعاقدي، تنهار تلقائيا كل المسلمات التي حكمت علاقة واشنطن بحلفائها لعقود. ما يطرحه ترمب ليس ارتجالا انتخابيا، بل امتدادا لعقيدة ثابتة: لا حماية مجانية بعد اليوم. الأمن، في نظره، خدمة تُباع وتُشترى. في مقابلته وضع الأمر بصراحة لافتة: إذا فشلت المفاوضات النووية مع إيران، فإما استئناف الضربات العسكرية، أو تحويل الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط إلى "حارس" يتقاضى ما يصل إلى 20% من إيرادات المنطقة. الرقم هنا ليس جوهريا بقدر ما هو كاشف للمنطق: تحويل الالتزام الإستراتيجي إلى عقد تجاري قابل للتسعير. لفهم دلالات هذا الطرح، لا بد من تفكيك الأساس الذي قامت عليه الرؤية الخليجية للعلاقة مع واشنطن. الوهم الذي طال أمده منذ 1991 ترسخت معادلة غير مكتوبة: شراء السلاح، استضافة القواعد، وضخ النفط بالدولار، مقابل مظلة أمنية أمريكية شبه مضمونة. مع الوقت، تحولت هذه المعادلة إلى ما يشبه البداهة، رغم أنها لم تكن يوما ضمانة صلبة بقدر ما كانت ترتيبا سياسيا قابلا للتغيير. هذه الراحة الإستراتيجية أضعفت الحافز لبناء استقلال أمني حقيقي، ودفعت بعض الدول إلى الاكتفاء بدور "مستهلك الأمن". ترمب لا ينسف هذه المعادلة، بل يعيد تسعيرها، وهذا أخطر. فحين يصبح الأمن قابلا للتفاوض المالي، يفقد طابعه الردعي ويتحول إلى سلعة. من التحالف إلى الصفقة في النموذج التقليدي كانت الكلفة تُدفع بشكل غير مباشر: صفقات تسليح، استثمارات، وتسهيلات عسكرية. أما في نموذج ترمب، فالعلاقة تصبح مباشرة: خدمة مقابل أجر. هذا التحول يحمل تداعيات جوهرية:
بكلمات أخرى، الأمن لم يعد تحالفا، بل سوقا.
قراءة ترمب للمنطقة في المقابلة، أشار ترمب بوضوح إلى إدراكه لما يمكن تسميته "الازدواج الإستراتيجي" لدى بعض دول المنطقة: الرغبة في إضعاف إيران دون إسقاطها، والحاجة إلى التهديد الإيراني كمبرر دائم للإنفاق الأمني والتحالف مع واشنطن. هذه قراءة مزعجة، لكنها ليست بعيدة عن الواقع. فاستمرار إيران كخصم مضبوط الإيقاع يخلق توازنا مريحا نسبيا مقارنة بسيناريو الانهيار الكامل وما يحمله من فوضى. ترمب لا يعترض على هذا المنطق، بل يستثمر فيه: إذا كان التهديد قائما ومطلوبا، فالحماية يجب أن تكون مدفوعة. النووي: إنجاز محدود بلغة مختلفة التنازل الأبرز في حديث ترمب كان قبوله بتخصيب إيراني منخفض المستوى، بعد سنوات من المطالبة بالتفكيك الكامل. وبعد جولة تصعيد عسكري وضغوط اقتصادية، انتهى المسار إلى هدنة مؤقتة، مع بقاء البرنامج النووي قائما وإن بشكل مقيد. النتيجة الفعلية
بمعنى آخر، تم احتواء الأزمة لا حلها. حدود القوة الأمريكية إشادة ترمب بكل من الصين وروسيا ليست مجاملة دبلوماسية، بل إقرارا بواقع عالم متعدد الأقطاب. واشنطن لم تعد قادرة على فرض تسويات كبرى منفردة، خاصة في ملفات معقدة كإيران. الصين تملك أدوات ضغط اقتصادية حاسمة، وروسيا تحتفظ بقنوات نفوذ مباشرة. النتيجة كانت تسوية تشاركية، لا انتصارا أحاديا. هذا يعكس حدود مقاربة "أمريكا أولا" حين تصطدم بتشابك المصالح الدولية. ما الذي يعنيه ذلك للخليج؟ الخلاصة الإستراتيجية واضحة: نموذج الضمانات المفتوحة قد انتهى، بغض النظر عن هوية الرئيس الأمريكي. المطلوب ليس القطيعة مع واشنطن، بل إعادة تعريف العلاقة:
الرهان على المظلة الأمريكية بصيغتها القديمة لم يعد واقعيا. وما كشفه ترمب ليس تحولا طارئا، بل تعبيرا صريحا عن اتجاه أعمق في السياسة الأمريكية. الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة. سليمان العقيلي عضو الجمعية السعودية للعلوم السياسية المصدر: الجزيرة نت |
| الساعة الآن 08:26 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir