![]() |
الحرب السرية للاستخبارات الروسية في أوروبا
100 يورو وسيارة معطلة.. الحرب السرية للاستخبارات الروسية في أوروبا https://www.aljazeera.net/wp-content...513&quality=80 مظاهرات أمام السفارة الروسية في براغ بعد الكشف عن عملاء للاستخبارات الروسية عام 2021 (غيتي) أحمد كامل 6/7/2026 في إحدى ليالي ديسمبر/كانون الأول 2024، أوقفت دورية شرطة ألمانية شاحنة صغيرة من طراز "أوبل" قرب بلدة "شونفيلد" على أطراف برلين الجنوبية، بعدما أثارت لوحة أرقامها انتباه رجال الشرطة. كان في الشاحنة 3 شباب يحملون وثائق هوية من صربيا والبوسنة وألمانيا. بعد تفتيش روتيني، أطلقت الشرطة سراحهم؛ إذ لم تجد في الشاحنة سوى عبوات من رغوة البناء العازلة، التي يستخدمها عمّال الترميم لسدّ الشقوق وإغلاق الفجوات، وهي مادة غير محظورة. بعد ساعات قليلة، استيقظ سكان حي ألت-شونفيلد القريب على نحو 43 سيارة معطلة. كانت أنابيب عوادمها محشوة بالرغوة نفسها، وعلى زجاجها ملصقات تحمل صورة وزير الاقتصاد الألماني آنذاك روبرت هابيك، أحد أبرز وجوه حزب الخضر والمسؤول عن ملفات المناخ والطاقة، مرفقة بعبارة ساخرة: "كن أكثر اخضرارا". بدا المشهد، للوهلة الأولى، صنيعة متطرفين بيئيين غاضبين، أو هكذا أراده مدبروه أن يبدو. غير أن تلك السيارات الـ43 لم تكن سوى البداية؛ فعلى مدار أسابيع تالية، تسببت الطريقة نفسها في إفساد أكثر من 270 سيارة في مدن ألمانية مختلفة. ومع تتبع الخيوط، تكشفت رواية أشد إثارة من مجرد غضبة بيئية، بحسب تحقيق لمجلة "دير شبيغل" الألمانية؛ إذ لم يكن المنفذون ناشطين مناخيين، بل شبانا جُنّدوا عبر تطبيق "فايبر". تلقّى أحدهم تعليمات دقيقة من شخص روسي، ووُعد بنحو مئة يورو (نحو 108 دولارات) عن كل سيارة يتلفها، فيما قدّرت دوائر أمنية ألمانية أن الغاية كانت إشعال النقمة على حزب الخضر ومرشحه عشية انتخابات اتحادية، وتسميم النقاش العام من الداخل قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع. https://www.aljazeera.net/wp-content...513&quality=80أنبوب عادم في برلين مسدود برغوة البناء وملصق للوزير هابيك (دير شبيغل على منصة إكس) 100 يورو تشعل القارة استهداف السيارات الألمانية لم يكن حدثا معزولا؛ فثمة وقائع تظهره ضمن نمط مقصود من التخريب محدود الكلفة في أكثر من بلد أوروبي. ففي يوليو/تموز 2024، اشتعلت النار في حاوية طرود بمطار "لايبزيغ" الألماني بعد دس عبوة حارقة في شحنة تابعة لشركة "دي إتش إل" للشحن غير أن الطائرة التي افترض أنها ستحمل الشحنة تأخر إقلاعها مما منع احتراقها في الجو. كما ظهرت طرود مماثلة في بريطانيا وبولندا، واعتقل في ليتوانيا مشتبه به يُرجح أنه تولى إرسالها، بينما بقي من كلّفه ومن صنع العبوات مجهولا. ويوثق "معهد بلومزبري للاستخبارات والأمن " (BISI) 3 حرائق أخرى نتجت عن طرود مفخخة بمؤقتات إلكترونية، استهدفت مرافق شركتي "دي إتش إل" و"دي بي دي" في ألمانيا وبريطانيا وبولندا، وينسبها مباشرة إلى جهاز الاستخبارات العسكرية الروسية (غرو) (GRU)، موضحًا أن عميلًا تابعًا للجهاز أدار التنفيذ عبر تطبيق "تلغرام".
ويربط المعهد هذا النمط بتكتيك تجنيدي صاعد يسميه "اقتصاد المهام"؛ إذ تُوزّع أعمال التخريب على وكلاء محليين يُستخدمون مرة واحدة، ويُجنّدون عبر منصات مثل "تلغرام" و"فايبر"، لينفذوا مهام محددة مقابل أجر بالقطعة، من دون صلة تنظيمية صلبة بموسكو. ميزة هذا الأسلوب، من منظور مشغّليه، أنه يربك التحقيقات ويُضعف الرد الاستخباراتي: فالمنفذون ليسوا ضباطا روسا يمكن تتبعهم صعودًا في السلسلة، بل مأجورين يمكن استبدالهم سريعا عند انكشافهم. وبحسب تقرير المعهد، تشكل هذه الحوادث جزءا من حملة واسعة بدأت في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022. فحتى مارس/آذار 2025، رصد "بلومزبري" أكثر من 100 عملية تخريبية في أوروبا، شملت حرائق وتفجيرات وهجمات إلكترونية واعتداءات بأدوات بدائية، استهدفت قطاعات النقل واللوجستيات والدفاع والطاقة. وفي هذا السياق، يشير التقرير إلى أن استهداف شركات لوجستية خاصة بحجم "دي إتش إل" ليس عشوائيا، بل يهدف إلى إنهاك سلاسل التوريد الأوروبية، خصوصا تلك المرتبطة بدعم أوكرانيا، ما يحول التخريب من واقعة منفردة إلى أداة إستراتيجية.
ولم تتوقف الهجمات عند التخريب المادي؛ إذ كشف تحقيق لمجلة "دير شبيغل" بالتعاون مع منصة "ذي إنسايدر" الاستقصائية، استنادا إلى تسريب من "جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية"، عن حملة تأثير واسعة استهدفت الرأي العام الألماني عبر أكثر من 20 موقعا إلكترونيا تنتحل هيئة منصات إخبارية عادية، وتدعمها مئات الآلاف من الحسابات الزائفة على مواقع التواصل. وكان أحد أكثر موضوعات الحملة نفاذًا هو تأجيج النقمة على اللاجئين الأوكرانيين؛ حيث جرى ترويج عناوين وشعارات وعبارات على شاكلة: "الأوكرانيون يسلبون ألمانيا رخاءها الاقتصادي"، بعدما باتت بلدا "يغرق في التشرد" حتى صار الخبز فيها "سلعة كمالية". وفي النهاية، تصب الرسائل كلها في خلاصة واحدة، أنه حان وقت الاهتمام بالمواطنين بدلا من ضخ الأموال في الحرب الأوكرانية. وبحسب المستند المسرّب، فإن جوهر هذه العقيدة هو صناعة الخوف. فالدافع الجديد لجهود موسكو، وفق الوثيقة، يجب أن يكون إيقاظ القلق من مستقبل غامض، وإغراق وعي الجمهور المستهدف بـ"الذعر والرعب" عبر ما تسميه الوثيقة "الهجمات الإدراكية". الحرب الرمادية أمام هذا التصاعد، حذر رؤساء أجهزة الاستخبارات الألمانية الثلاثة، في جلسة استماع أمام "البوندستاغ " (البرلمان الألماني) في أكتوبر/ تشرين الأول 2024، من أن استعداد موسكو للعمليات السرية بلغ "مستوى غير مسبوق". وذهب رئيس "جهاز الاستخبارات الاتحادية" (BND)، المنوط بمهام الاستخبارات الخارجية، وقتها برونو كال أبعد من ذلك، حين أشار إلى أن تفاقم الوضع "ليس مستبعدًا إطلاقًا"، وأن الخطر يستوجب التفكير في تفعيل حالة الدفاع المشترك في الناتو. وفي السياق ذاته، حذّر رئيس جهاز "الأمن الداخلي البريطاني" (MI5)، كين مكالوم، أن عملاء موسكو يسعون إلى إشاعة "الفوضى في شوارع بريطانيا وأوروبا" بتهور متصاعد.
ما تصفه هذه التحذيرات هو قلب ما يُعرف بـ "المنطقة الرمادية في الحرب"؛ أي ذلك الحيز الملتبس بين السلم والحرب، حيث يجري العدوان دون أن يبلغ عتبة الهجوم المسلح الصريح. وتُفرّق الباحثة إليزابيث براو، الزميلة في المجلس الأطلسي ، بين مصطلح "الحرب الهجينة" الذي صاغه فرانك هوفمان عام 2007 لوصف مزج الحرب التقليدية بالعدوان غير النظامي، وبين الهجمات التخريبية التي لا يمكن إسنادها بوضوح إلى فاعل محدد، حيث تصف ذلك بمصطلح "تحت العتبة" أو "المنطقة الرمادية"، كما تسمّي براو المأزق الناتج عنها بـ"ورطة المدافع"، لأن هذه الهجمات مصممة لاستغلال نقاط ضعف الخصم عبر مجالات متعددة، مع الحفاظ على درجة محسوبة من الغموض؛ بحيث يصعب إثبات المسؤولية المباشرة، ما يبقي للفاعل مساحة للإنكار وتفادي الرد العلني. والإبقاء على الغموض هنا ليس عرضًا جانبيًا، بل هو الغاية بعينها. فالمادة الخامسة من ميثاق "الناتو" تنصّ على أن الهجوم المسلح على أي من الدول الأعضاء يُعدّ هجومًا عليها جميعا، بما يستوجب ردًا دفاعيا جماعيا قد يصل إلى استخدام القوة العسكرية. لكن هذا الالتزام ليس مصمما عندما يعمل المعتدي تحت تلك العتبة؛ أي عبر أفعال عدائية لا تبلغ تعريف الهجوم المسلّح الصريح، ما يعني أن الحلف لابد أولًا أن يُصنّف ما يحدث قبل أن يستطيع بلورة ردّ متماسك، وهو ما يمنح المهاجم الوقت الثمين لإنجاز غايته. ويتجسد الفارق بين النموذجين في تجربة أوكرانيا نفسها، كما يوضح إيهور سولوفي، رئيس المركز الأوكراني للاتصالات الإستراتيجية. ففي عام 2022، استولت روسيا على ماريوبول بالحرب التقليدية (مدفعية ومدرعات وطيران ومشاة). أما في 2014، فيرى سولوفي أنها استولت على دونيتسك بأدوات هجينة؛ إذ تسببت عمليات المعلومات والدعاية في قلب جزء من السكان على الحكومة المركزية، ثم تولّت تشكيلات مقاتلة بالوكالة وقوات خاصة ومتعاونون محليون، الإطاحة بالسلطة الرسمية، بينما أخفت موسكو دورها المباشر. تربط تقارير عدة بين الاستيلاء على دونيتسك وجهاز الاستخبارات العسكرية الروسية (اختصارًا "غرو")، فبحسب الباحث البريطاني مارك جاليوتي، كانت فوضى عام 2014 في أوكرانيا فرصة ذهبية للجهاز، بعدما أُطيح بالرئيس الأوكراني الموالي لموسكو فيكتور يانوكوفيتش عقب احتجاجات شعبية واسعة في كييف، فدخلت الدولة مرحلة ارتباك سياسي وأمني. عند هذه اللحظة، تحركت روسيا في شبه جزيرة القرم، حيث ظهرت قوات بلا شارات واضحة وسيطرت على مواقع حيوية، قبل أن تعلن موسكو ضمّ المنطقة لاحقًا في خطوة رفضها الغرب. هذه الفوضى، في تعبير جاليوتي، كانت "نعمة لغرو"، إذ فتحت للجهاز مجالًا ليكون أحد الأذرع القائدة في الاستيلاء على القرم، ثم زعزعة استقرار دونباس في شرق أوكرانيا. وتشير الوثائق البريطانية الرسمية إلى أن أوكرانيا شكّلت ساحة اختبار طوّر فيها "غرو" ترسانته منذ 2014؛ حتى إن وحدته السيبرانية 26165، نشرت بين عامي 2014 و2016، برمجيات خبيثة لتحديد مواقع المدفعية الأوكرانية في دونباس، بما مكّن من توجيه الضربات إليها.
واليوم، تقرن جهات غربية رسمية عدة الجهاز بالأعمال التخريبية الجارية في القارة. ففي ديسمبر/كانون الأول 2025، نشرت وزارة الخارجية البريطانية ومركز الأمن السيبراني الوطني ملفًا عن "عمليات غرو السيبرانية والهجينة"، وثّقت فيه دور وحدات بعينها داخل الجهاز، بينها الوحدة 29155 المتخصصة في التخريب والاغتيال، إلى جانب وحدات أخرى متخصصة في المهام السيبرانية. وقد فرضت بريطانيا عقوبات عليها وعلى عشرات من ضباط الاستخبارات العسكرية، إلى جانب الكشف عن أسماء عدد منهم للمرة الأولى. https://www.aljazeera.net/wp-content...490&quality=80في السياق ذاته، نسبت الولايات المتحدة وشركاء آخرون عمليات تخريبية وسيبرانية مباشرة أيضا إلى الوحدة 29155؛ ففي تقييم مشترك صادر عن مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية (CISA) ووكالة الأمن القومي (NSA)، خلصت الأجهزة الأمريكية إلى أن الوحدة "مسؤولة عن محاولات انقلاب وأعمال تخريب وعمليات تأثير ومحاولات اغتيال في أنحاء أوروبا". وأكد التقييم الأمريكي أن جهاز الاستخبارات الروسي وسع نطاق عملياته منذ عام 2020 ليشمل العمليات السيبرانية الهجومية ضد البنية التحتية الحيوية. كما رصد التقييم أكثر من 14 ألف عملية مسح إلكتروني للنطاقات الرقمية في 26 دولة من أعضاء حلف الناتو وعدد من دول الاتحاد الأوروبي، استهدفت قطاعات الحكومة والمال والنقل والطاقة والصحة. نشأ "غرو" عام 1918 تحت اسم "وكالة التسجيل"، قبل أن يعيد ستالين تنظيمه عام 1942 ليصبح لاحقا أحد أكثر أجهزة موسكو استقلالًا وارتباطًا بالعمليات الخارجية. ويتمتع الجهاز بقنوات اتصال مباشرة مع القيادة السياسية، ويدير وحدات متخصصة تتكامل أدوارها بين الاستطلاع والتخريب والحرب السيبرانية والعمليات النفسية. كما أشرف الجهاز لعقود على وحدات القوات الخاصة الروسية المعروفة بـ"سبيتسناز"، قبل أن يفقد هذا الامتياز لاحقًا في سياق إعادة هيكلته. جوزيف ستالين (وسط) محاطاً بعملاء سريين من جهاز الاستخبارات العسكرية الروسي (غرو) في أواخر عشرينيات القرن العشرين (غيتي) مع ذلك، ظل الجهاز لفترة طويلة أكثر أجهزة الاستخبارات الروسية خفاء وغموضا. فبينما جرى توثيق جانب واسع من تاريخ "كي جي بي" عبر شهادات ضباط سابقين وأرشيف فاسيلي ميتروخين، الذي انشق إلى بريطانيا عام 1992، بقيت عمليات الاستخبارات العسكرية بلا ذكر تقريبا، بل وسُمح أحيانًا بأن تُنسب بعض نجاحاته الخارجية إلى أجهزة أمنية أخرى كي يبقى بعيدًا عن الأضواء، وحتى هيكله وميزانيته ظلا دائمًا من أسرار الدولة. وبفضل بقائه في الظل، وابتعاده عن الاضطلاع بأدوار داخلية على خلاف الأجهزة الأمنية الأخرى؛ فلم يقترن في الأذهان بقمع المواطنين، وعليه، لم يجد الكرملين سببا سياسيا لتفكيكه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991.
لذلك، بدا صعود اسم الجهاز إلى عناوين الصحف خلال العقد الأخير خروجًا لافتا عن تقاليده، لا سيما مع ربط تقارير غربية بينه وبين أكثر عمليات موسكو علنية وعدوانية مؤخرا. ويرى الباحث الأمريكي جوزيف ديلون أن هذا التحول لم يكن وليد الحرب الأوكرانية، بل سبق ذلك حيث بدأ بعد حرب روسيا ضد جورجيا عام 2008، حين عُدّ أداء الاستخبارات العسكرية فاشلا، خصوصا بعد إخفاقها في كشف أنظمة الدفاع الجوي الجورجية. وقد دفع الجهاز ثمن ذلك بإعادة هيكلة قاسية؛ حيث جُرّد من قيادة "سبيتسناز"، وخُفّضت ميزانيته، وتغيّرت شعاراته، وأُحيل نحو ألف من ضباطه إلى التقاعد أو نُقلوا إلى مواقع أخرى. ومن هنا، يقرأ ديلون هذا النشاط المفرط خلال العقد الماضي بوصفه محاولة لاستعادة هيبة مفقودة. https://www.aljazeera.net/wp-content...513&quality=80يتقاطع هذا وتحليل جاليوتي الذي يرى أن الجهاز لم يدخل الأزمة الأوكرانية من موقع قوة مطلقة؛ فقد كان يحاول ترميم مكانته في أعقاب انتقاد أدائه بعد جورجيا، لكن فوضى أوكرانيا منحت الجهاز فرصة لاستعادة مكانته داخل الدولة الروسية. ففي بيئة تجمع بين قوات خاصة ووكلاء محليين ومتمردين وعصابات وإنكار رسمي، وجد "غرو" المجال الذي يتقنه أكثر من غيره. يزيد من ذلك تنافسه مع جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، الوريث الأبرز لـ"كي جي بي". فمع أن الأمن الفيدرالي يعمل أساسًا في الداخل الروسي، فإنه يتحرك أيضًا في فضاء الاتحاد السوفياتي السابق، ما يخلق مناطق احتكاك وتداخل مع الاستخبارات العسكرية. وفي هذا السباق على النفوذ داخل الدولة الروسية، لا يعمل "غرو" بوصفه جهاز جمع معلومات فقط، بل على أنه منصة عمليات هجينة متكاملة. الرئيس الروسي بوتين رفقة رئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق فالنتين كورابيلنيكوف عام 2006 (غيتي) 29155 .. تراخيص جزئية للإنجاز السريع ويتكون الجهاز من 15 إدارة، 4 منها إقليمية تختص بمناطق جغرافية محددة، و11 إدارة متخصصة منوطة بنوعية محددة من المهام. وتتفرع هذه الإدارات إلى وحدات تُعرَف غالبًا بأرقام صناديق بريدها العسكرية؛ ومن بينها الوحدة 29155، محور الاتهامات الغربية الراهنة، والتي أسّسها الجنرال أندريه أفريانوف، أحد قدامى محاربي الشيشان. وتُنسب إلى الوحدة أخطر العمليات الروسية وأشدها عنفا. فوفقًا لتقارير غربية، تقع عليها مسؤولية تسميم ضابط المخابرات المنشق سيرغي سكريبال وابنته يوليا في بريطانيا عام 2018، كما يُعتقد أنها وراء إصابة عشرات الدبلوماسيين الأمريكيين بما يُعرف بـ"متلازمة هافانا" عبر استخدام أسلحة طاقة موجهة، رغم أن هذه الفرضية بأكملها لا تزال موضع شك كبير. ورغم أن وجود الوحدة لم يُكشف على نطاق واسع إلا عام 2019، يُرجَّح أنها تعمل منذ عام 2008، وتستقطب غالبية أفرادها من قوات "سبيتسناز" الخاصة.
ولفهم آلية عمل الوحدة، يشير الإعلامي والكاتب البلغاري كريستو غروزيف إلى أنها تضم قرابة 400 شخص، وتتفرع داخليًا إلى خلايا أصغر تُعرَف بـ "كيه-2″، متخصصة في التخريب والاغتيال. غير أن جوهر عملها، وفق غروزيف، يقوم على انتقاء أشخاص وتدريبهم ليكونوا عملاء، يعيشون بهويات مزوّرة لأداء هذا الدور. ويضرب غروزيف أمثلة لافتة؛ فحين اقتضت إحدى المهام التغلغل في الأوساط الفنية ببرشلونة في إسبانيا، استُخدم عميل بهوية مزورة جرى تقديمه بصفته "مخرجا سينمائيا". وفي حالة أخرى، مكنت هوية مزورة عميلا من اختراق جماعات المعارضة الروسية في المهجر والعمل داخل منظمات حقوقية في أوروبا والولايات المتحدة، وهو ما وصفه غروزيف بأنه "مثير للذعر". https://www.aljazeera.net/wp-content...420&quality=80تم توليد التصميم بالذكاء الاصطناعي مع ذلك، تواجه الوحدة مشكلات متزايدة، تتعلق بانكشاف أفرادها عبر تقنيات التحليل الحديثة، وتشديد الرقابة على المهاجرين الروس في الخارج. ووفقا لعقيدة الأجهزة الاستخباراتية، فإن إحدى مهامها الرئيسية "إضفاء الشرعية" على العميل وبناء هوية غطاء؛ وبحسب مدة النشاط السري يُقسَّم العملاء إلى فئتين: الأولى فئة "الترخيص الكامل" التي تُمنح غطاء مفتوحَ الأمد، والثانية فئة "الترخيص الجزئي" المخصصة للعمليات قصيرة الأمد.
ويندرج أفراد الوحدة 29155 في فئة التراخيص الجزئية، لأن طبيعة عملها قائمة على مهام محددة سريعة التنفيذ (سواء تسميم أو تفجير أو تخريب) ينتقل فيها العميل إلى البلد المستهدف لإنجاز مهمته ثم ينسحب، لا على التموضع طويل الأمد داخل المجتمع المستهدف. فهويات الغطاء التي يحملها أفراد الوحدة (كالسائح أو رجل الأعمال العابر) مصمَمة لتصمد أيامًا أو أسابيع، لا لتؤسس حياة كاملة تمتد سنوات. https://www.aljazeera.net/wp-content...069&quality=80وهذا بالضبط ما يفرقها عن الوحدة 54654 في الجهاز، والمعروفة بـ"وحدة الجلود النظيفة"، والتي يحظى أفرادها بالتراخيص الكاملة؛ إذ تجنّد أشخاصا لم يسبق لهم الانتماء للمؤسسة العسكرية، عبر شركات واجهة تملكها الاستخبارات العسكرية، فتبني لهم هويات نظيفة من أي أثر استخباراتي، ما يمكنهم من الاندماج العميق والإقامة المفتوحة في البلد المستهدف. تم تعديل التصميم بالذكاء الاصطناعي سيمفونية "غرو" المُدمرة وتكمن قوة جهاز الاستخبارات العسكرية الروسية في تنوع أدوار وحداته وتكاملها، على نحو يشبه فرقة موسيقية تضم عازفين لآلات مختلفة، يؤدي كل منهم دوره في سيمفونية واحدة. فإلى جانب الذراع المادية الباطشة تعمل ذراعان أخريان؛ واحدة في فضاء الشيفرة وأخرى في فضاء الوعي. ففي الميدان السيبراني، تبرز وحدتان أساسيتان. الأولى هي الوحدة 26165، المعروفة بـ"الدب البديع" التي برزت منذ 2008 كقوة كبرى في التجسس السيبراني. وتعتمد على التصيد الاحتيالي عبر رسائل بريد تنتحل صفة مصادر موثوقة لدفع الضحية إلى فتح مرفقات خبيثة، وأيضا على برمجيات من فئة "طروادة"، وعلى تقنية "الثقوب المائية" التي تعتمد على اختراق المواقع الإلكترونية الشهيرة التي يتردد عليها الضحايا المستهدفون، وإنشاء روابط داخلها تعيد توجيه المستخدمين إلى مواقع محملة بالبرمجيات الضارة. أما الوحدة 74455، المعروفة بـ"الدودة الرملية"، فهي التي تزعم التقارير الغربية أنها تستهدف أنظمة الدفاع والنقل والطاقة والإعلام في الغرب، كما يُنسب إليها تعطيل شبكة الكهرباء في أوكرانيا ثلاث مرات، واختراق منشآت مياه في الولايات المتحدة. وتعمل الوحدتان وفق أهداف سياسية واقتصادية، غالبًا بالتزامن مع أحداث جيوسياسية كبرى، سعيًا إلى جمع معلومات إستراتيجية، أو التأثير في الرأي العام، أو سرقة أسرار تجارية. وفي فضاء الوعي، تبرز الوحدة 54777، المتخصصة في الخداع الإعلامي والتلاعب النفسي وتوجيه الرأي العام خارج روسيا. وقد نشأت الوحدة تحت مظلة "مديرية الدعاية الخاصة" السوفيتية، وكانت تركز داخليًا على رفع الروح القتالية للجيش، لكنها بعد انتقالها إلى "غرو" عام 1991 حوّلت أولويتها إلى تطوير تقنيات التأثير النفسي في سكان الدول المعادية، عسكريين ومدنيين.
ومن هنا باتت وظيفتها الأهم توفير "إنكار معقول" لعمليات الجهاز، وصياغة روايات بديلة تغطي آثاره أو تضلل حول مصدرها، كما حدث خلال السيطرة الروسية على شبه جزيرة القرم عام 2014. وتستطيع الوحدة توظيف طيف واسع من الواجهات الروسية في عملها، من الكنيسة الأرثوذكسية والصحف ومنصات التواصل والتلفزيون، إلى النوادي الرياضية والمنظمات الثقافية. وقد واجهت اتهامات ألمانية باستغلال المظاهرات المناهضة للحرب لإضعاف الدعم العسكري لأوكرانيا. بهذا تكتمل صورة الجهاز كما تريدها موسكو: ذراع تضرب، وأخرى تخترق، وثالثة تفسر الضربة على نحو مضلل. فالقوة هنا لا تكمن في التخريب وحده، بل في توزيع الفعل على أكثر من مستوى؛ حادثة ميدانية تربك الشرطة، اختراق رقمي يربك البنية التحتية، ورواية بديلة تربك المجتمع نفسه. وحين تعمل هذه المستويات معًا، لا تعود الحرب حدثًا ينتظر إعلانًا رسميًا، بل ضغطًا يوميًا متراكمًا على أعصاب أوروبا ومؤسساتها وقدرتها على تسمية ما يجري. فتلك الحرب التي تدور تحت العتبة لا تبحث عن نصر خاطف بقدر ما تسعى إلى إنهاك الخصم، وإجباره على الشك في أمنه، وفي معلوماته، وفي المعنى الذي يعطيه لكل ضرر. المصدر: الجزيرة نت |
| الساعة الآن 09:21 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir