رغم المشاهد التي تظهر موسكو كحليف وثيق وصديق "وقت الضيق" لطهران في مطلع 2026، فإن القراءة المتأنية لمسودة "معاهدة الشراكة الإستراتيجية الشاملة" الموقعة في يناير/كانون الثاني الماضي تكشف عن واقع مغاير تماما، حين رسم الكرملين خطوطا حمراء واضحة لا يمكن تجاوزها، مفضلا "البراغماتية" على "العاطفة العسكرية" تجاه طهران الصديقة.
قدمت المعاهدة التي وقّعها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره الإيراني
مسعود بزشكيان في 17 يناير/كانون الثاني، كنقلة نوعية في العلاقات بين البلدين، ومع ذلك فإن الميثاق لا يشكّل تحالفا عسكريا، ولا يتطلب التزامات مباشرة من أي من الطرفين.
وبدلا من ذلك، فهو ببساطة يضفي طابعا رسميا على الروابط الوثيقة بين إيران وروسيا التي تطورت منذ الغزو الشامل لأوكرانيا في عام 2022، وكانت روسيا هي الخيار الأكثر منطقية، وقبيل
الحرب الروسية الأوكرانية كانت العلاقة بإيران محدودة.
وعندما وجد الجيش الروسي نفسه في حاجة ماسة إلى دعم عسكري إيراني، خاصة
الطائرات المسيرة، في السنة الأولى من القتال، تعمقت العلاقة بسرعة إلى حد لم تعد الوثائق الرسمية تعكسه بشكل كافٍ.
هذا يعني بوضوح أننا لن نشاهد طائرات "سوخوي" الروسية تخوض اشتباكا مباشرا مع "إف-35" الأمريكية دفاعا عن سماء طهران، فموسكو رسمت خطا أحمر واضحا يفصل بين دعم الحليف وبين الانتحار العسكري من أجله، والمعاهدة كانت تأكيدا واضحا على أن موسكو وطهران لا تنويان تشكيل تحالف عسكري.
ورغم أهمية هذا التعاون بأدنى حدوده، نصت المعاهدة الجديدة على تبادل المعلومات بين البلدين، وإجراء تدريبات عسكرية مشتركة، و"ضمان الأمن الإقليمي"، ولم يكن هناك أي مؤشر على إحراز أي تقدم نحو ترتيب دفاعي متبادل.
ويرى الزميل المشارك في مركز الإستراتيجيات الأوراسية الجديدة -معهد أبحاث أمريكي بريطاني- رسلان سليمانوف، في حديثه لـ"الجزيرة"، أن الكرملين لا يسعى لتحقيق اختراق في هذه الحرب، ولا يساعد إيران على كسر الولايات المتحدة
وإسرائيل.
وأضاف أن المساعدات الاستخباراتية والعسكرية الحالية هي "أقرب إلى لفتة حسن نية، ومحاولة لخلق وهم بالمساعدة، لإظهار لطهران أنه رغم غياب الالتزامات الرسمية، فإن روسيا لا تترك صديقها في محنة".
في الواقع، كانت الأحكام الأمنية في معاهدة 2025 مطابقة تقريبا لتلك الموجودة في معاهدة 2001، بعبارة أخرى، لم يتغير شيء منذ قرابة ربع قرن.
واليوم روسيا لم تعد بحاجة للمساعدة العسكرية الإيرانية، التي كانت لديها في السنة الأولى من الحرب بأوكرانيا. في عام 2022، أحدثت الطائرات المسيرة الإيرانية تأثيرا كبيرا في ساحة المعركة، لدرجة أنها غيّرت التكتيكات الروسية.
ولكن بحلول عام 2025، كانت روسيا قد خطت خطوات كبيرة للأمام في الإنتاج المحلي
للطائرات المسيرة وتوطين تصنيع الطائرات الإيرانية. بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن روسيا تمتلك اليد العليا الآن في أوكرانيا، مما يعني أن مساعدة طهران لم تعد حاسمة تقريبا.
السؤال الذي يطرحه المراقبون هو ما إذا كانت روسيا مستعدة لمنح إيران ما تريده، إلا أن المؤكد أن البلدين يعانيان من عزلة فرضتها
واشنطن، لتشكّل هذه المعضلة نقطة التقاء رسمت حدودا للتعاون بيد أنها رسالة إعلام للعالم والنخب الروسية والإيرانية بأن موسكو وطهران قد شكلتا فريقا للمدى الطويل، وهذا مقنع ليس بسبب ما هو مكتوب في الوثائق، بل لأن أيا من البلدين ليس لديه خيارات كثيرة عندما يتعلق الأمر بالشركاء الدوليين.
وبينما تتجه الأنظار إلى الجبهات العسكرية، كشفت بيانات "بلومبرغ" أن الكرملين هو "المستفيد الأكبر" من اشتعال الشرق الأوسط، محققا أعلى أرباح نفطية منذ غزو أوكرانيا لتعزيز "خزينة الحرب" وسط ارتفاع الأسعار وتخفيف القيود.
ووفقا لتقرير بلومبرغ، تضاعفت قيمة صادرات موسكو في الأسابيع الثلاثة الماضية لتصل إلى 270 مليون دولار يوميا، مدفوعة بقفزة الصادرات الأسبوعية إلى 1.71 مليار دولار، وهو أعلى مستوى منذ مارس 2022.
وتستفيد روسيا من تمديد الإعفاءات الجمركية الأمريكية للمشترين في
الهند، مما دفع خام "يورالز" لتجاوز "برنت" سعريا عند التسليم بآسيا، حيث بلغت الشحنات المحمولة بحرا 4.07 ملايين برميل يوميا. ورغم تحذير بوتين من أن هذه الأرباح "مؤقتة"، فإن ارتفاع أسعار التصدير (يورالز وإسبو) عزز الدخل الروسي بشكل غير مسبوق.
وفي الختام، تدرك طهران محدودية الدعم الروسي، لذا تتبنى إستراتيجية توسيع
الأعمال العدائية وضرب الجوار لشل الاقتصاد العالمي، ورفع أسعار النفط كأداة ضغط إستراتيجية.