وسط تعقيدات الوضع في الشرق الأوسط وتوقف مفاوضات إنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران واستمرار إغلاق مضيق هرمز والحصار الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية، يأتي لقاء الرئيسين الأمريكي دونالد ترمب والصيني شي جين بينغ اليوم الأربعاء بحثا عن نقاط التقاء تدفع نحو حلول سريعة لهذه الأزمة التي تعصف بالأمن والاقتصاد العالميين.
وتأمل الولايات المتحدة في أن تجد حلا لحربها على إيران خلال هذه الزيارة، ويتوقع أن يحث فيها ترمب الرئيسَ الصيني على لعب دور أكبر في الضغط على طهران للاستجابة للمطالب الأمريكية بشأن إنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز.
وحسب أكاديميين مختصين بالشأنين الصيني والأمريكي ومحللين سياسيين، تحدثوا للجزيرة نت، يتوقع أن يضغط الطرفان "بأوراق قوة" لتحقيق أهدافهما، سواء من جانب الصين بفتح مضيق هرمز وإنهاء الحرب، أو من جانب الولايات المتحدة بإخضاع إيران لشروطها عبر حوافز لبكين.
وتتأثر الصين بشكل مباشر بالحرب الأمريكية الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز، فأكثر من نصف وارداتها من النفط الخام المنقول بحرا مصدره الشرق الأوسط، ويمر بشكل أساسي عبر هذا المضيق.
ويرى الأكاديميون والمحللون أن الصين يمكن أن تلعب دورا نشطا في الوساطة لتسوية الأزمة في مضيق هرمز بما لها من أوراق ضغط على الجانب الأمريكي الذي يمتلك أوراق ضغط أيضا لكنه لا يستطيع تفعيلها تجاه الصين التي تمتلك آليات للرد.
بكين وواشنطن تملكان أوراق قوة تعمل وفق معادلة "الضغط مقابل الضغط" (الجزيرة)
أوراق ضغط
يقول مارك فايفل نائب مستشار الأمن القومي السابق بالبيت الأبيض، في مقال نشر اليوم الأربعاء بالجزيرة نت، إن الجغرافيا السياسية الحديثة باتت تعمل بصورة متزايدة وفق معادلة "الضغط مقابل الضغط"؛ فالولايات المتحدة تضغط على الصين من خلال أمور عدة منها التعريفات الجمركية، والقيود التكنولوجية، والعقوبات. ومن جهتها، تضغط الصين على الولايات المتحدة من خلال هيمنتها التصنيعية، ومعادنها الأرضية النادرة، وانكشاف الأسواق، وصبرها الإستراتيجي.
وعما إذا كان ترمب يملك أوراق قوة على الصينيين لإخضاع إيران للشروط الأمريكية لفتح مضيق هرمز وإنهاء الحرب، يرى مدير مشروع الاتحاد الأوروبي وآسيا في معهد الجامعة الأوروبية جوليو بولييزي، في تصريحات للجزيرة نت، أن الولايات المتحدة تملك أوراق ضغط تجاه بكين، عبر الحصار الأمريكي المضاد على السفن الصينية في خليج عُمان والإغلاق المطوّل لمضيق هرمز، إذ يمنحان واشنطن نفوذا غير مباشر في لعبة النفَس الطويل.
ويرى مؤيدو ترمب، كما يذكر نائب مستشار الأمن القومي السابق بالبيت الأبيض، في مقاله، أن ترمب يصل بكين وهو في موقع أقوى بعد أن فرض ضغطا إستراتيجيا متواصلا على الصين وإيران، وجزء كبير من الاقتصاد العالمي.
لكن أستاذ السياسة الأمريكية والدولية في معهد كلينتون بجامعة كلية دبلن سكوت لوكاس، لا يؤيد ذلك، ويقول في تصريحات للجزيرة نت إن ترمب لا يملك نفوذا كبيرا على الصينيين، إذ تُعقد هذه القمة على أرض الصين التي ستجامِل ترمب ببعض مظاهر استقبال ترضي غروره، ويعتقد أنها مفيدة له في الداخل الأمريكي.
ويرجح لوكاس أن يحاول ترمب تقديم حوافز بشأن الذكاء الاصطناعي والرسوم الجمركية أو التهديد بفرض مزيد منها، لكن ذلك سيضر الجانب الأمريكي.
وهو أمر يؤيده المختص في الشؤون الآسيوية عامر تمّام، في تصريحات للجزيرة نت، إذ تتعامل بكين مع واشنطن بمبدأ "خطوة بخطوة"، نافيا أن تكون للولايات المتحدة قدرة على ممارسة أي ضغوط على الصين، كما أن بكين لا تمارس أي ضغوط على حلفائها لتقديم أي تنازلات.
أما أوراق الصين بشأن المطالب الأمريكية تجاه إيران، فيؤكد المحلل السياسي الصيني رون هوانغ، في تصريحات للجزيرة نت، أن بكين تملك حاليا أوراقا كثيرة للتأثير على واشنطن، من الحاجة الأمريكية لبيع المنتجات الزراعية لبكين، وطائرات الركاب والاستثمارات المتبادلة، وكذلك ضمان الاستقرار في سلاسل توريد المعادن النادرة.
ويرى لوكاس أن الصين يمكن أن تمارس نوعا من الضغط بشأن البرنامج النووي والقبول بمدة أطول من التعليق، بيد أنها لن تستخدم نفوذها بقدر كبير، في حين يرى بولييزي أن لدى الصين بعض أوراق الضغط، منها استمرار الضوابط الصينية على صادرات المعادن النادرة، ما يؤثر على سوق الأسهم الأمريكية، وبالتالي على حظوظ ترامب السياسية، وهو الأمر الأهم بالنسبة لترمب، الذي يريد أيضا تقديم انتصار للرأي العام الداخلي، بما في ذلك اتفاق تجارة مُدارة مع الصين.
وعن نجاح ترمب في التأثير على الصين، يرى لوكاس أن أصحاب الأرض سيحددون شروطهم في إدارة الأزمة وتطورها، كما أن ترمب في موقف خاسر بسبب مضيق هرمز وبسبب الآثار على الاقتصاد العالمي متسائلا: "عندما تكون في موقف خاسر، ما نوع النفوذ الذي يمكنك ممارسته؟!" في حين يرجح بولييزي دورا أكثر حسما للداخل الأمريكي وطبيعة ترمب ذاته، فضلا عن تناقضات الشرق الأوسط وعملية "الاستقرار المدار" بدلا من الحلول الجذرية.
مضيق هرمز
يعد مضيق هرمز أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، إذ بلغت تدفقات النفط عبره في 2024 نحو 20 مليون برميل يوميا، أي ما يعادل قرابة 20% من استهلاك النفط عالميا، كما مر عبره نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية في العام نفسه، وعقب بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها في 28 فبراير/شباط، أغلقت إيران عمليا مضيق هرمز، وأصدر ترمب تهديدات متعددة لإيران لفتح المضيق دون جدوى، ما دعا واشنطن إلى فرض حصار بحري على موانئ إيران.
ويرى لوكاس أن كلا من الأمريكيين والصينيين يريدون فتح مضيق هرمز، لكنهم سيختلفون بشأن كيفية ذلك، ففي حين يرى الأمريكيون أن فتح المضيق يأتي عبر فرض حصار على الموانئ الإيرانية، نجد الموقف الصيني أقرب قليلا إلى الموقف الأوروبي، وهو إشراف دولي على أمن الملاحة في المضيق لا يتحقق إلا بإنهاء الحرب، وليس وفق الشروط الأمريكية والتهديد بعودة القصف، وفق قوله.
ويتفق معه بولييزي فللطرفين تقريبا نفس الرأي والفهم بشأن المضيق، لكن الصين ستكون سعيدة بالحصول على استثناء؛ والمشكلة تكمن في الحصار الأمريكي وضبابية الحرب التي تسمح فعليا للجماعات المدعومة من إيران باستهداف ناقلات النفط الصينية أيضا.
ويرى المحلل الصيني أن بكين ستكون مستعدة للاضطلاع بدور أكثر إيجابية ونشاطا في وساطتها لإعادة فتح مضيق هرمز، وضمان المرور الآمن لكافة السفن.
ويتفق معه تمّام، فالصين يمكن أن تكون وسيطا وضامنا، بما يحدث انفراجة بسبب الثقة المتبادلة بين إيران والصين، والمصالح المشتركة بين واشنطن وبكين، وأنه لا يمكن للصين أن تتنازل عن هذه الشراكة أو تسمح بسقوط النظام الإيراني
فيما يرجح بولييزي أن تحاول الصين تعزيز تواصلها مع إيران وحلفائها للسماح بمرور آمن لناقلاتها، إذ هي أكثر اعتمادا على المضيق من الولايات المتحدة.
ويرى تمّام أن من الضروري الإعلان عن وقف إطلاق نار شامل، متهما واشنطن بأنها تريد خداع طهران بسحب الورقة الأقوى أو ما يشبه "القنبلة النووية" الإستراتيجية من يدها، لافتا إلى أن ثمة اتفاقا بين الصين وواشنطن على رفض فكرة فرض رسوم عبور للمضيق، والتأكيد -كما صرح الرئيس الصيني- على مبدأ حرية الملاحة في الممرات المائية الدولية.
مقاتلة أمريكية تستعد للإقلاع من على سطح حاملة الطائرات الأمريكية يو إس إس أبراهام لينكولن لتنفيذ غارة على إيران (رويترز)
عودة الحرب
وسط حشود عسكرية أمريكية متتابعة واستعدادات إسرائيلية لعودة الهجوم على إيران حذرت دول متعددة بالمنطقة والعالم، منها قطر وتركيا، من مغبة عودة العمليات العسكرية في المنطقة، نظرا لتداعياتها الخطيرة على الأمن والاقتصاد العالميين.
ويؤكد رون هوانغ أن الموقف الصيني الحالي من عودة الحرب هو حث كل الأطراف على تجنب القتال وتهيئة الظروف الملائمة لاستئناف التفاوض المباشر، وأن بكين ستحث الجانبين خلال زيارة ترمب على رفع الحصار عن مضيق هرمز.
ويرجع بولييزي ذلك إلى أن "لدى الصين مصالح حيوية في إعادة فتح مضيق هرمز؛ فاستهلاكها النفطي ضخم، واحتياطياتها لا يمكن أن تدوم إلى الأبد".
ويشرح لوكاس ذلك بأن الصين ستسعى علنا لخفض التصعيد، لكن إذا حدثت عودة إلى الحرب فستسعى إلى حماية نفسها إزاء ارتفاع أسعار النفط والغاز، منتقدا إدارة ترمب بأنها "تقوّض تحالفاتها"، سواء مع أوروبا أو دول الخليج.
فيما يؤكد عامر تمّام، في تصريحاته للجزيرة نت، أن الصين ترى أن الحلول السياسية لهذه الأزمة ممكنة بدلا من العودة إلى صراع ربما يضر بمصالحها، مشيرا إلى أن ثمة تقديرات توقعت انخفاض معدل نمو الاقتصاد الصيني من 4.5 إلى 4.4% بسبب تداعيات حرب إيران.
إنهاء الحرب
تمثل الأزمة الحالية فرصة تاريخية لبكين لتقديم نفسها كقوة قادرة على حل واحدة من أخطر أزمات القرن 21، وفي حال فشلت الصين في لعب هذا الدور المؤثر فقد يندفع العالم نحو مزيد من الفوضى وغياب المرجعية الدولية، كما يقول الخبير بالشأن الإيراني الدكتور محجوب الزويري في حديثه للجزيرة.
أما عن رؤية الصين لإنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، فيرى لوكاس أن الصين ستتجه إلى إبراز فكرة النهج متعدد الأطراف، وسيستغلون تخلي فريق ترمب عن التعددية، التخلي الكامل عن التحالفات القائمة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة.
ويشرح ذلك بأنهم سيقولون "إننا نريد استقرارا إقليميا، استقرارا قائما على عدم خوض الحروب وإيجاد مخرج من المواجهة"، وأن ذلك سيشمل الاستقرار في مضيق هرمز وبرنامج إيران النووي، إذ يمكن أن يكون لإيران برنامج نووي، لا أسلحة نووية.
لكن مدير مركز المدار للدراسات السياسية صالح المطيري يتساءل، في مقال له ينشر لاحقا في الجزيرة نت، هل نحن أمام تسوية مؤقتة فعلا، أم أمام بداية تنازلات سيجري تسويقها لاحقا باعتبارها انتصارا عقلانيا فرضته "مصلحة الدولة؟"
أما تمّام فيقول إن الصين ترى أنه يجب إنهاء الحرب لأنها غير شرعية، وإنه لا ينبغي للولايات المتحدة أن تعتدي على سيادة الدول أو تتعامل بمنطق القوة، بل يجب أن تكون كل التحركات في إطار الأمم المتحدة.
وهو نفسه ما أشار إليه المحلل الصيني قائلا إن الصين تحث جميع الأطراف على الحفاظ على الهدنة، والتوصل إلى اتفاق دائم وشامل لإنهاء الحرب. في حين رأي الدكتور المطيري أن بعض الهدن تبدو أخطر من الحرب لأنها لا تنهي النزاع.
ويخلص الأكاديميون والباحثون إلى أن الصين يمكنها لعب دور نشط في "قمة ترمب شي" بما لديها من أوراق ضغط تفوق الولايات المتحدة تأثيرا، الأمر الذي سيحدث انفراجة في قضية مضيق هرمز والتوجه نحو إنهاء الحرب على إيران، ومن ثم البدء في مفاوضات الملف النووي، وإن أبدى بعضهم تشككا في الوصول إلى حلول ناجعة.
المصدر: الجزيرة نت
الباسل
يتولى القادة العسكريون مهمة الدفاع عن الوطن ، ففي أوقات الحرب تقع على عاتقهم مسؤولية إحراز النصر المؤزر أو التسبب في الهزيمة ، وفي أوقات السلم يتحمّلون عبء إنجاز المهام العسكرية المختلفة ، ولذا يتعيّن على هؤلاء القادة تطوير الجوانب القيادية لديهم من خلال الانضباط والدراسة والتزوّد بالمعارف المختلفة بشكل منتظم ، واستغلال كافة الفرص المتاحة ، ولاسيما أن الحياة العسكرية اليومية حبلى بالفرص أمام القادة الذين يسعون لتطوير أنفسهم وتنمية مهاراتهم القيادية والفكرية