على الضفة الأخرى، جاء الرد الإيراني واضحا، فقد نفت وزارة الخارجية الإيرانية عبر وكالة "مهر" وجود أي مباحثات مع واشنطن، مؤكدة أن تصريحات ترمب تهدف لخفض أسعار الطاقة.
ونقلت وكالتا "فارس" و"تسنيم" عن مصادر أمنية رفيعة أن التراجع الأمريكي جاء بعد إدراك واشنطن أن طهران ستنفذ تهديدها بضرب جميع محطات الطاقة الإسرائيلية وتلك التي تغذي القواعد الأمريكية في الخليج.
وشن المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني هجوما حادا على الإدارة الأمريكية، معتبرا أن "ترمب يكذب أو يتفوه بكلام فارغ".
وقال في تصريحاته "الضربات المدمرة التي وجهتها قواتنا المسلحة وارتفاع أسعار النفط جعلا الشيطان في حالة يأس وعجز"، مشددا على أن "التفاوض في مثل هذه الظروف لا معنى له، والعدو لا يفهم إلا لغة القوة والصواريخ".
ويبدو أن الموقف الإيراني يستند إلى استخدام الجغرافيا السياسية ورقة ردع إستراتيجية تعوض اختلال ميزان القوة التقليدي. فقد أوضح تقرير لصحيفة
واشنطن بوست أن طهران لا تشعر بضغط للتفاوض رغم الضربات الكبيرة التي تلقتها، بل تراهن على قدرتها على رفع التكلفة الاقتصادية.
وترجم هذا الرهان عمليا في
مضيق هرمز، فبحسب بيانات شركة "كبلر" (Kpler)، تراجعت حركة المرور في المضيق –الذي يمر عبره خمس النفط والغاز المسال العالمي– بنسبة تقارب 95%.
ولم يقف التصعيد هنا، بل هدد
مجلس الدفاع الإيراني بزراعة ألغام بحرية في الخليج إذا تعرضت سواحل البلاد أو جزرها لهجوم، محذرا من أن "الخليج بأكمله سيصبح عمليا في وضع مشابه لوضع مضيق هرمز".
وفي هذا السياق، يرى أستاذ دراسات إيران والشرق الأوسط علم صالح أن طهران لا تملك خيارا سوى مواصلة التصعيد، لأن أي تراجع "سيفسر على أنه ضعف".
ويضيف صالح للجزيرة أن استهداف منشآت الطاقة يمثل تحولا نوعيا يمس حياة المدنيين وقد يندرج ضمن "جرائم الحرب"، معتبرا أن استمرار التصعيد يعكس فشل الإستراتيجية الأمريكية.
إلى جانب النفط، تبرز ورقة "المياه"، فقد أشارت صحيفة غارديان إلى أن التهديد الإيراني بتدمير البنية التحتية يضع محطات "تحلية المياه" في دول الخليج في مرمى النيران.
رغم إعلان ترمب تأجيل ضرب منشآت "الطاقة"، فإن ذلك لا يعني تجميد الحرب، فإسرائيل، الشريك الكامل في قرار هذه المواجهة، تواصل عملياتها العسكرية المكثفة وتستعد لـ"أسابيع إضافية من القتال".
وقد أعلن
الجيش الإسرائيلي الاثنين شن موجة جديدة واسعة النطاق شملت العاصمة طهران، وخرم آباد (خلفت 6 قتلى)،
وبوشهر (حيث قتل رئيس قطاع الأرصاد الجوية).
ويرى الخبير في الشؤون الإسرائيلية عماد أبو عواد أن إسرائيل تستفيد كثيرا من تلويح ترمب باستهداف قطاع الطاقة، لأن ذلك يعني مضي واشنطن قدما في الحرب.
ويوضح أبو عواد للجزيرة أن
تل أبيب ترى أن ضرب البنية التحتية الإيرانية قد يمهد لاستهداف طهران لمنشآت الطاقة الخليجية، مما يعني "توسيع دائرة الحرب وإدخال أطراف أخرى، وهو ما يخفف الأعباء عن إسرائيل"، محذرا من أن هذا المسار قد يخلط الأوراق إقليميا.
وتستفيد إسرائيل إستراتيجيا من التهديدات الأمريكية لقطاع الطاقة الإيراني لتعميق الحرب. وبحسب تقرير لصحيفة "
نيويورك تايمز"، فإن من الأسس التي بني عليها قرار الحرب، خطة قدمها رئيس
الموساد ديفيد برنياع، تفيد بأن الضربات ستشعل "انتفاضة شعبية" تسقط النظام من الداخل.
ومع فشل هذا التقدير الاستخباري وتماسك النظام، يبدو أن إسرائيل انتقلت إلى إستراتيجية "جز العشب" العسكرية، معتمدة على الغطاء الأمريكي لتدمير البنية التحتية الإيرانية.