امتد الخطاب المناوئ للناتو إلى داخل الإدارة الأمريكية، إذ صرح وزير الخارجية ماركو روبيو أن "سلوك الناتو يثير تساؤلات حول الفائدة التي تحصل عليها الولايات المتحدة من الحلف.. وأن الوضع لم يعد جيدًا، وأن الاستمرار في الالتزام به يطرح إشكالات متزايدة" وفي نفس السياق أشار تقرير نشرته صحيفة التليغراف إلى أن ترمب يدرس سحب القوات الأمريكية من ألمانيا، في ظل حالة إحباط من المواقف الأوروبية، مع دعوات داخلية إلى توجيه رسالة واضحة للحلفاء بشأن ما يُعد مقبولا، وما لا يُعد كذلك.
"تصريحات ترمب ضد الناتو تتجاوز حدود التلاسن السياسي أو الضغط التكتيكي عبر ضفتي الأطلسي".
في المقابل، صدرت مواقف من داخل الحلف للتهدئة، حيث أكد مارك روته الأمين العام للحلف في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز أن التحرك الأمريكي ضد إيران كان ضروريا لتحييد قدراتها النووية وصواريخها الباليستية، ولأنها تمثل تهديدا وجوديا لإسرائيل والمنطقة وأوروبا والعالم أجمع، وشدد على أن العمل جارٍ ضمن مجموعة تضم 22 دولة لإعادة فتح مضيق هرمز، مع حديث عن بدء ظهور استجابات من بعض الحلفاء لدعوات الولايات المتحدة.
تكشف هذه التطورات، عند وضعها في سياق واحد، عن مسار يتجاوز حدود التلاسن السياسي أو الضغط التكتيكي بين ضفتي الأطلسي. فالتزامن بين صدور دراسة تتناول الإطار القانوني للانسحاب من الحلف، وتصاعد خطاب أمريكي يشكك في جدوى البقاء به، يفتح الباب أمام قراءة تتعلق بطبيعة التحول الجاري في نظرة واشنطن إلى الحلف التاريخي الذي طالما نظر إليه كواحد من أهم بيوت القوة الأمريكية والغربية.
ترمب في مواجهة مع الناتو
حضر ملف تقاسم الأعباء داخل حلف الناتو في النقاشات قبل وصول ترمب إلى البيت الأبيض للمرة الأولى، وبالتحديد خلال إدارة أوباما، التي شددت على ضرورة رفع الإنفاق الدفاعي للدول الأعضاء في الحلف إلى مستوى 2% من الناتج المحلي. ومع مرور الوقت، تحول هذا الهدف أثناء قمة الحلف في ويلز عام 2014 إلى معيار يقاس به مدى التزام الحلفاء، وإلى بند رئيسي في اجتماعات الحلف ونقاشاته الدورية.
ومع وصول ترمب للبيت الأبيض للمرة الأولى عام 2017، تركزت نقاشاته مع أمين عام الحلف آنذاك ينس ستولتنبرغ، حسب ما روى الأخير في مذكراته، على حجم مساهمة الدول الأعضاء، وتعامل الرئيس الأميركي مع الفجوة بين ما يُنفق وما يُفترض إنفاقه باعتباره عبئا تتحمله الولايات المتحدة، ودينا ينبغي على الحلفاء سداده، حتى أنه طلب من المستشارة الألمانية أنغلا ميركل دفع 374 مليار دولارِ، بحجة أنها قيمة ما لم تدفعه برلين للناتو على مدار 10 سنوات بأثر رجعي، ما جعل وزير الحرب الأمريكي آنذاك جيمس ماتيس يقول: "سيدي الرئيس، الأمر لا يتعلق بديون أو رسوم، بل بإجمالي إنفاق كل دولة على دفاعها".
"خلال ولايته الأولى، طلب ترمب من المستشارة الألمانية أنغلا ميركل دفع 374 مليار دولارِ، بحجة أنها قيمة ما لم تدفعه برلين للناتو على مدار 10 سنوات بأثر رجعي".
وجَّه ترمب في قمة الحلف المنعقدة في بروكسل عام 2017 انتقادات حادة للدول الأعضاء التي لا تلتزم بالنسبة المستهدفة. وتكرر المشهد في قمة 2018، مع تصعيد في اللهجة، وطرح تساؤلات حول جدوى استمرار الولايات المتحدة في تحمل أعباء أمن حلفاء لا يلبّون التزاماتهم، وصولا للتهديد بأنه "إذا لم يدفع الأوروبيون والكنديون المزيد، فقد لا تضمن الولايات المتحدة أمنهم. لماذا نحمي دولًا لا ترغب في دفع تكاليف أمنها؟".
ومع عودة ترمب إلى البيت الأبيض مجددا مطلع عام 2025، عاد ملف الناتو إلى واجهة النقاش في سياق اتسم بقدر أكبر من التوتر. ففي قمة الحلف المنعقدة في لاهاي العام الماضي، اتفق المجتمعون بضغط من واشنطن على رفع سقف الإنفاق الدفاعي إلى 5% من ناتجهم المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، على أن توزع النسبة بين 3.5% لمتطلبات الدفاع الأساسية، و1.5% لتعزيز البنية التحتية والجاهزية المدنية، وتطوير القاعدة الصناعية الدفاعية، إلى جانب توسيع التعاون الصناعي العابر للأطلسي. وجاء هذا التوجه في ظل تقديرات داخل الحلف بإمكانية حدوث حرب مع روسيا خلال السنوات المقبلة، ما أضفى على القرار طابعا استراتيجيا.
الطريف أنه في تحليل نشرته فورين بوليسي، أوضح الأكاديميان غابرييلي ناتاليزيا وماتيو ماتسيوتي أن إيطاليا طورت نمطا من الاستجابة لطلبات الحلف تقوم على تحقيق "امتثال شكلي" لنسب الإنفاق العسكري. فقد أعلنت روما عام 2025 عن ميزانية دفاعية تقارب 45 مليار يورو (نحو 48.6 مليار دولارِ)، في حين أن الإنفاق الفعلي بلغ 31 مليار يورو (نحو 33.5 مليار دولارِ) فقط، وحُسبت الزيادة الوهمية عبر إعادة تصنيف نفقات تابعة لوزارات أخرى ضمن بند الدفاع بدلا من تعزيز الجاهزية العملياتية أو القدرات القتالية.
اضطراب البوصلة
لم يقتصر التحول في المقاربة الأمريكية تجاه حلف الناتو على مسألة الإنفاق الدفاعي، بل امتد إلى طبيعة أدوار الحلف وانتشاره الجغرافي. فقد نقل موقع بوليتيكو في فبراير/شباط 2026 عن دبلوماسيين أوروبيين أن إدارة ترمب تضغط باتجاه تقليص أنشطة الحلف خارج نطاق أوروبا، بما في ذلك إنهاء مهمته في العراق، وتقليص وجوده في كوسوفو، وعدم دعوة أوكرانيا والشركاء الرسميين الأربعة للحلف في منطقة المحيطين الهندي والهادئ -أستراليا ونيوزيلندا واليابان وكوريا الجنوبية- إلى الاجتماعات الرسمية في قمة الناتو القادمة المقرر عقدها في أنقرة في يوليو/تموز المقبل، وذلك ضمن توجه لإعادة تعريف الناتو بوصفه تحالفا أطلسيا بحتا، والتراجع عن توسيع أدواره في إدارة الأزمات العالمية.
"إدارة ترمب تضغط باتجاه تقليص أنشطة الحلف خارج أوروبا، وإعادة تعريفه بوصفه تحالفا أطلسيا بحتا، والتراجع عن توسيع أدواره في إدارة الأزمات العالمية".
أثارت هذه المقاربة قلقا داخل الحلف، خاصة فيما يتعلق بمستقبل بعثاته القائمة. فمهمة الناتو في العراق، التي أنشئت عام 2018 لتعزيز المؤسسات الأمنية العراقية ومنع عودة تنظيم الدولة باتت مهددة بالإنهاء، في وقت لا تزال فيه بعض الدول ترى ضرورتها. كما تثير فكرة تقليص أو إنهاء مهمة الحلف في كوسوفو (KFOR)، التي تضم 4500 جندي منذ عام 1999، مخاوف من حدوث تداعيات أمنية غرب البلقان، في ظل التوترات الكامنة هناك، وطموحات صرب كوسوفو للانفصال.
أما الأغرب، فهو طلب الرئيس ترمب من الناتو مؤخرا المشاركة في فتح مضيق هرمز في مهمة ترتبط بمسرح عمليات بعيد عن أوروبا ويتصل بأمن الطاقة والملاحة الدولية، في تعارض مع طلبات ما قبل الحرب بتركيز دوره على المسرح الأوروبي، في وقت أدت فيه الحرب لصدور قرار بسحب مهمة الحلف من العراق مع انتشار الهجمات على يد الفصائل الداعمة لإيران.
تشير تلك المستجدات إلى غياب إطار ناظم لعمل الناتو في منظور واشنطن، والرغبة في توظيفه كأداة تخدم أولوياتها المرحلية، بحيث يُستدعى لساحات جديدة عندما يخدم ذلك أولوية ما للسياسة الأمريكية، ويُعاد تقليصه في سياقات أخرى لا تتقاطع مع تلك الأولويات.
