الخاسرون والرابحون من تصاعد المخاطر حول مضيق هرمز

مضيق هرمز شريان طاقة عالمي تعتمد عليه أسواق النفط والغاز بشكل مباشر
في توازن العرض والطلب الدولي (غيتي)
أحمد أبو الطرابيش
3/2/2026
يعيد الاقتصاد العالمي تسعير المخاطر الجيوسياسية بوتيرة مستمرة في أسواق الطاقة والغذاء والشحن كلما تبدل مسار التوتر بين أمريكا وإيران، ويعمل مضيق هرمز كنقطة اختناق حاسمة في منظومة الطاقة العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا أثر فوري يتجاوز الإقليم إلى التسعير العالمي.
وذكرت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن التدفقات عبر المضيق في عام 2024 والربع الأول من 2025 شكلت: - أكثر من ربع تجارة النفط المنقول بحرا عالميا.
- نحو خمس استهلاك النفط ومنتجاته عالميا.
- عبر قرابة خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا هذا الممر.
كما قدرت وكالة الطاقة الدولية مرور نحو 20 مليون برميل نفط يوميا عبر مضيق هرمز.
وأظهرت حركة الأسعار حساسية فورية حتى للتصريحات؛ إذ ذكرت رويترز في 2 فبراير/شباط 2026 أن النفط هبط نحو 5% بعد قول ترمب إن إيران "تتحدث بجدية" مع واشنطن، ليتداول برنت قرب 65.86 دولارا وغرب تكساس حول 61.79 دولارا.
وأوضح محللون نقلت عنهم رويترز أن انحسار التوتر أزال جزءا من "علاوة المخاطر الجيوسياسية" وكشف أساسيات عرض تميل إلى الوفرة. 
علاوة المخاطر الجيوسياسية عنصر تسعيري يتحرك بسرعة تفوق تحركات الإنتاج الفعلي في الأسواق (الفرنسية)
من سيتضرر أولًا وبأكبر قدر؟
تشير هيكلية التدفقات عبر مضيق هرمز إلى أن الصدمة لن تتوزع بالتساوي، بل ستصيب الأطراف الأعلى اعتمادا والأقل امتلاكا للبدائل بسرعة أكبر.
- المستوردون الآسيويون للطاقة
قالت إدارة معلومات الطاقة إن 84% من تدفقات الخام والمكثفات و83% من الغاز الطبيعي المسال عبر المضيق اتجهت إلى آسيا، فيما استحوذت الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية على 69% من خام ومكثفات هرمز.
وسيرفع أي تعطل كلفة الطاقة الواصلة، ويوسع عجز الحساب الجاري، ويزيد تقلبات العملات في أكبر مراكز الطلب الصناعي عالميا.
- أوروبا
تستورد أوروبا بناء على السعر العالمي للطاقة، لذلك، فحتى مع تباين اعتمادها الفعلي على مضيق هرمز، يرفع سعر النفط والغاز المسال تكاليف الكهرباء والبتروكيماويات والنقل الصناعي لديها، ويعيد الضغوط التضخمية، ويعقد مسار
السياسة النقدية عبر قنوات التسعير المرجعي.
- الاقتصادات الناشئة منخفضة الدخل
تواجه الدول المعتمدة على الاستيراد وذات الحيز المالي المحدود خيارين مكلفين:
- توسيع الدعم بما يضغط على الموازنات
- تمرير الأسعار سريعا للمستهلك بما يرفعالتضخمالغذائي والطاقي.

ويفاقم هذا النمط هشاشة الديون ويزيد مخاطر عدم الاستقرار الاجتماعي عند صدمات الوقود والقمح والأسمدة.
- اقتصادات الخليج
لا يحصّن تصدير الطاقة هذه الاقتصادات من الأثر، إذ ينقل المضيق واردات غذائية مهمة وصادرات أسمدة، وترفع الحرب فاتورة الواردات، وتكاليف تشغيل الموانئ، وتمويل المخزون، وأقساط التأمين البحري، ما يضغط على سلاسل الإمداد المحلية ويزيد كلفة الأمن اللوجستي.
من قد يستفيد؟
تعيد الأسواق توزيع المكاسب ظرفيا حين ترتفع التقلبات وتُعاد تسعير المخاطر.
- المنتجون خارج الخليج
يتحول المشترون نحو براميل نفط من الأمريكيتين وبحر الشمال وغرب أفريقيا عند تعثر الإمدادات الشرق أوسطية، ويوسع هذا التحول الفروق السعرية الإقليمية ويعزز هوامش المنبع، إذ تُسعَّر الشحنات البديلة بعلاوة مخاطر أعلى تعكس موثوقية الإمداد والمسافات اللوجستية.
- تجار السلع وبعض قطاعات الشحن
ترفع التقلبات قيمة الخيارات، وتوسع فروق الآجال، وتفتح نوافذ التحكيم بين المناطق، وتستفيد بيوت التجارة ذات الشبكات المرنة من إعادة توجيه التدفقات، فيما ترتفع عوائد الشحن المتخصص رغم تصاعد المخاطر التشغيلية وأقساط التأمين.
- قطاعات الدفاع والأمن
يزيد التصعيد العسكري الطلب على المرافقة البحرية والدفاع الجوي والمراقبة وإعادة ملء المخزونات، وتعزز برامج الشراء الطارئة ودورات التوريد الطويلة تدفقات الإيرادات في فترات التصعيد.

يمتد أي اضطراب في مضيق هرمز إلى ما هو أبعد من أسواق الخام، ويصيب حلقات
الإنتاج والنقل والتمويل (الأوروبية)
التأثيرات القطاعية التفصيلية
يمتد أي اضطراب في مضيق هرمز إلى ما هو أبعد من أسواق الخام، ويصيب حلقات الإنتاج والنقل والتمويل عبر قنوات تكلفة متزامنة تعيد تسعير قطاعات صناعية وزراعية وخدمية.
- أسواق الطاقة
تبدو الأساسيات مريحة نسبيا؛ فقد توقعت وكالة الطاقة الدولية زيادة المعروض العالمي بنحو 2.5 مليون برميل يوميا في 2026 بعد 3 ملايين برميل يوميا في 2025 مع تراكمات في المخزونات.
لكن الأسواق تسعر القدرة على الوصول لا البراميل فقط، حيث ترفع التوترات الجيوسياسية أقساط التأمين، وتبطئ الشحن، وتحفز الشراء التحوطي، فتشدد "العرض الفعال" حتى لو ظل الإنتاج مرتفعًا.
- الشحن والتأمين
ترفع أقساط التأمين ومعدلات الشحن كلفة التجارة كضريبة خفية. وتذكر رويترز أن أقساط مخاطر الحرب على الشحنات الخليجية ارتفعت خلال توترات سابقة، كما أشارت فايننشال تايمز نقلا عن مارش ماكلينان إلى صعود تأمين هيكل السفن من 0.125% إلى 0.2% من قيمة السفينة. وقد تعيد حرب مستدامة هذه القفزات أو تتجاوزها.
- البتروكيماويات
يمر أكثر من 15% من المنتجات الكيميائية عالميا عبر المضيق، ويرفع أي اضطراب كلفة اللقيم الهيدروكربوني والشحن، وينقل الضغوط إلى البلاستيك والألياف الصناعية ومواد التغليف ومدخلات السيارات، ما يزيد تكاليف الإنتاج ويضغط على الربحية الصناعية.
- الأسمدة
ترتبط الأسمدة بالغاز الطبيعي والشحن. ويقول البنك الدولي إن مؤشر أسعار الأسمدة ارتفع 20% في 2025 مع توقع صعود اليوريا 30% في ظل أسواق غاز ضيقة، محذرا من مخاطر الاضطرابات.
ويؤثر التعطل على 16.5% من صادرات الأسمدة الإقليمية، ما يدفع كلف الاستيراد إلى الصعود ويقيد الإمداد.

ترفع التوترات الجيوسياسية أقساط التأمين وتبطئ عمليات الشحن (رويترز)
- الغذاء
ينتقل تضخم الغذاء عبر الوقود والشحن والأسمدة، وتتابع منظمة الأغذية والزراعة (فاو) ذلك عبر مؤشر أسعار الغذاء العالمي، موضحة انتشار الصدمات عبر الحبوب والزيوت والسكر والألبان.
ومع عبور 14.5% من واردات الغذاء الإقليمية عبر هرمز، ترتفع فاتورة الواردات الخليجية.
- وفرة مقابل علاوة المخاطر
تبدو وفرة الإمدادات قائمة على الورق، لكن مخاطر نقطة الاختناق قد تتغلب سريعا، حيث أعادت فترات هدوء التوتر تركيز السوق على توقعات تفوق العرض على الطلب، فيما يعيد أي تصعيد إدراج علاوة جيوسياسية تقدرها تحليلات "سيتي" بنحو 7–10 دولارات للبرميل خلال فترات التوتر، وفق ما نقلته رويترز.
الآثار الكلية الأوسع
تنقل صدمات الطاقة والشحن الضغوط عبر قنوات الأسعار والتمويل والتجارة الخارجية، فتُعيد تشكيل مسارات التضخم والنمو والاستقرار النقدي في الدول المستوردة.
- ارتفاع تضخم المستهلك
تنقل زيادة تكاليف الوقود والنقل الضغوط إلى أسعار السلع والخدمات، وترفع مؤشر الأسعار العام، وتضغط على القوة الشرائية.
- تشديد السياسة النقدية
تدفع ضغوط الأسعار
البنوك المركزية إلى إبقاء الفائدة مرتفعة أو زيادتها، فترتفع كلفة التمويل ويُقيد الائتمان.
- تباطؤ النمو الاقتصادي
يؤدي ارتفاع كلفة الاقتراض وتآكل الدخل الحقيقي إلى تراجع الاستهلاك والاستثمار، فيضعف النشاط.
- تقلبات أسعار الصرف
تتسع فواتير واردات الطاقة، فيضغط ذلك على الحساب الجاري ويزيد تقلب العملات.
- مخاطر إنسانية وغذائية أعلى
ترفع قفزات أسعار الغذاء والأسمدة عبء المعيشة في البلدان منخفضة الدخل وتضاعف هشاشتها.

مضيق هرمز يتحول أثناء الأزمات من ممر جغرافي إلى عامل تسعير مؤثر في الاقتصاد العالمي (أسوشيتد برس)
الأسواق المالية
تعيد صدمات الطاقة توزيع المحافظ بسرعة، حيث تدفع القفزات الحادة في النفط التدفقات نحو الذهب والسندات الحكومية باعتبارها ملاذات نسبية، بينما تتعرض أسهم النقل والصناعات كثيفة الطاقة لضغوط بيعية نتيجة ارتفاع التكاليف وتراجع الهوامش.
وترفع الأسواق أيضا تقلبات الأسهم وتعيد تسعير توقعات الفائدة استجابة لمسار التضخم.

سلوك السوق تحت التصعيد
نقلت رويترز عن محللين حديثهم عن سرعة تبدل المعنويات في أسواق الطاقة، فقد ربط جيوفاني ستاونوفو من "يو بي إس" تراجع الأسعار بانحسار التوتر، في حين وصف تاماس فارغا من "بي في إم" ما حدث بأنه "اختفاء علاوة المخاطر الجيوسياسية".
ويتوقع أن تنعكس الآليات بالاتجاه المعاكس بالسرعة ذاتها إذا اندلع صراع، مع إعادة إدراج العلاوة وارتفاع تقلبات العقود.
سلسلة انتقال الصدمة
وإذا اندلع الصراع، فإن الأسواق تعيد تسعير المخاطر بسرعة عبر قنوات الطاقة واللوجستيات والتمويل:
- إضافة علاوة مخاطر إلى النفط والغاز المسال
تعيد الأسواق إدراج المخاطر في العقود الفورية والآجلة، فترتفع الأسعار والتقلبات.
- رفع أقساط التأمين البحري ومعدلات الشحن
تصعد كلفة النقل نتيجة تأمين مخاطر الحرب وأجور الناقلات، فيرتفع بذلك عبء التجارة.
- زيادة كلف إنتاج الأسمدة
يرتفع سعر الطاقة وكلفة الشحن، فتزداد كلفة إنتاج النيتروجين واليوريا، وينتقل الارتفاع إلى أسعار الغذاء.
- ارتفاع أسعار واردات الغذاء
تنتقل كلفة النقل والطاقة والمدخلات الزراعية إلى أسعار الحبوب والسلع الأساسية.
- تشديد الأوضاع المالية عالميا
تدفع الضغوط التضخمية البنوك المركزية إلى تشديد السياسة، فترتفع كلفة التمويل وتقل السيولة.
وبذلك يتحول مضيق هرمز من معبر جغرافي إلى آلية تسعير تؤثر بالتوازي في أسواق الطاقة والزراعة ومسارات التضخم العالمي.
المصدر: الجزيرة نت + وكالات