حين يلاحق الرادار الشبح
إلى جانب منظومة "إس-300" استثمرت إيران بكثافة في تطوير أنظمة دفاع جوي محلية الصنع أهمها نظام "باور-373" (Bavar-373) وهو نظام صواريخ أرض جو بعيد المدى إيراني الصنع، وقد طرح لأول مرة عام 2019 بوصفه "مكافئا محليا لنظام إس-300". وهو يتميز برادارات من نوع "مصفوفة المسح الإلكتروني النشط" (AESA)؛ مما يمنحه دقة أعلى وقدرة أكبر على مقاومة التشويش.
وتعد مصفوفة المسح الإلكتروني النشط نوعا متطورا من الرادارات لا يحتاج إلى تحريك الهوائي الأمامي لتوجيه الإشارة، بل توجه إلكترونيا باستخدام مئات أو آلاف وحدات الرصد الصغيرة.
تخيل مثلا مجموعة كبيرة من الكشافات الصغيرة (LED)، كيف يمكن تشغيل كل واحد منها أو إطفاؤه بسرعة وبشكل مستقل؟ هنا يأتي دور التقنية لتنظيم تشغيلها بزوايا محددة، وبذلك يمكن توجيه الإضاءة لأي اتجاه دون تحريك اليد أو الكشاف نفسه. وتنطبق الفكرة ذاتها على موجات الرادار، مما يتيح اكتشاف الخصوم بسرعة أكبر، وتتبع أكثر من هدف في الوقت ذاته، مع مقاومة فعالة للحرب الإلكترونية وصعوبة في اكتشافه لأنه لا يصدر إشارات ثابتة بل متغيرة وسريعة.
"صمم الإيرانيون باور-373 لاستهداف الطائرات المقاتلة بشكل عام، مع التركيز على مواجهة الأهداف الشبحية".
وقد صمم الإيرانيون "باور-373" لاستهداف الطائرات المقاتلة بشكل عام، مع التركيز على مواجهة الأهداف الشبحية. وفي تدريب سابق، استخدموا مسيرة بحجم يعادل تقريبا طائرة صغيرة، وبلغت مساحة المقطع الراداري نحو 2 متر مربع، وتمكن رادار "باور-373" من اكتشافها واعتراضها على بعد 316 كيلومترا. ومن هذه النتيجة، يقدر الإيرانيون أن الرادار قادر نظريا على اكتشاف أهداف أصغر بكثير، مثل: هدف بمساحة 0.01 متر مربع -أي تقريبا بحجم أحد أجنحة الطائرات الشبحية- على بعد نحو 82 كيلومترا، أو هدف بمساحة 0.05 متر مربع على بعد نحو 123 كيلومترا.
وبذلك، فإن "باور-373" -أو النسخ المطورة منه- قد يتمكن نظريا من تتبع طائرة "إف-35" على مسافة تزيد على 200 كيلومتر. ويعزز ذلك بكون بنية النظام صممت لهزيمة تقنيات التخفي، إذ تستخدم صواريخ "صياد-4" التي تطلقها بطاريات "باور" نظام ملاحة دقيقا، مع إمكانية تلقي تحديثات في منتصف المسار من شبكة الرادار. ويعني ذلك أن الصاروخ قادر على توجيه نفسه في اللحظات الأخيرة عبر تشغيل راداره الخاص للبحث عن الهدف، وهي ميزة مهمة في حال لجأت الطائرة المعادية إلى التشويش.
الرادار الذي يرى ما لا يُرى
في تدريبات نفذت في فبراير/شباط 2025، أعلنت إيران أنها نجحت في تحقيق تكامل بين منظومتي "إس-300″ و"باور-373" ليعملا بشكل منسق وسلس، عبر ربط النظامين باستخدام أبراج اتصالات مع مركز قيادة واحد. وبهذه الطريقة، يستطيع رادار منظومة "إس-300" تزويد "باور-373" بمعلومات عن الهدف، والعكس صحيح.
وإذا تعذر استخدام رادار أو صواريخ منظومة "باور-373" يمكن لمكونات "إس-300" التدخل للبحث أو الإطلاق. ويعمل النظامان في كلا الاتجاهين، مما يمنح الدفاع الجوي الإيراني مرونة تشغيلية إضافية وتغطية أوسع في ساحة المعركة.
" التهديد الحقيقي للطائرات الشبحية لا يكمن في نظام دفاعي منفصل، بل في الدفاعات الجوية المتشابكة والمنسقة بدقة".
والواقع أن التهديد الحقيقي للطائرات الشبحية لا يكمن في نظام دفاعي منفصل، بل في الدفاعات الجوية المتشابكة والمنسقة بدقة. وقد عمدت إيران إلى بناء منظومة دفاع جوي متكاملة لهذا الغرض تحديدًا، تضم رادارات بحث مختلفة تغطي نطاقات متعددة، تشمل رادارات إنذار مبكر، وأنظمة إطلاق صواريخ قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، بالإضافة إلى أنظمة قيادة وتحكم ومراكز تنسيق مشتركة بين الجيش والحرس الثوري.
ومن أبرز الأمثلة على هذه المنظومة، إدخال "مطلع الفجر" وهو رادار إنذار مبكر متنقل جرى تقديمه عام 2010. وهو قادر على اكتشاف أهداف منخفضة التردد مثل صواريخ كروز والطائرات الشبحية.
في هذه البنية، يمكن وضع مطلع الفجر في الطبقة الأولى، فهو رادار إنذار مبكر يعمل في حيز الترددات العالية جدا "في إتش إف" (VHF)، ويُعلن الإيرانيون أن نسخته المطورة "مطلع الفجر -2" قادرة على اكتشاف أهداف منخفضة التردد مثل صواريخ كروز والطائرات الشبحية على مسافة تبلغ 300 كيلومتر وتصل إلى نحو 480 كيلومترا، مع تركيز واضح على الإنذار المبكر ومقاومة التشويش.
وللتبسيط، فالرادارات التي تعمل بموجات "في إتش إف" (VHF) مثل مطلع الفجر، تستخدم موجات كبيرة وبطيئة، وهذا يجعل خداعها أصعب. فلو حاول الخصوم التشويش، فسيحتاجون إلى طاقة أكبر وإشارات أقوى لتغطي هذه الموجات، بعكس الرادارات الدقيقة والأحدث، التي يسهل إرباكها. وحتى في حرب إلكترونية مليئة بالتشويش، تظل رادارات "في إتش إف" (VHF) قادرة على "رؤية أن هناك شيئا في السماء"، حتى لو لم تعرف تفاصيله بدقة.
"يملك رادار مطلع الفجر القدرة على اكتشاف أهداف منخفضة التردد مثل صواريخ كروز والطائرات الشبحية على مسافة تبلغ 300 كيلومتر وتصل إلى نحو 480 كيلومترا".
يرسل هذا الرادار إشارة أولية بوجود هدف في الأفق، حتى وإن لم يحدد بدقة، فينبه وحدات أكثر دقة مثل "باور-373" عند اقتراب طائرة. وبمجرد تحديد مسار الطائرة -ولو بشكل تقريبي- تطلق الصواريخ نحو المسار المتوقع لطائرة "إف-35" مع تحديثات توجيهية في منتصف المسار من أي رادار يمكنه رصد الهدف، ثم تتخذ محاولة الاشتباك إذا أصبحت جودة التتبع كافية.
هذه السلسلة (سلسلة القتل) كلها يجب أن تعمل بلا انقطاع، من كشف، إلى دمج بيانات، إلى تعريف هدف، إلى تتبع أدق، ثم توجيه صاروخ. وإذا تعطلت حلقة واحدة بسبب تشويش أو خداع أو تدمير رادار أو ضربة من خارج المدى، تنهار الفاعلية بسرعة، ومن ثم فإذا تمكنت من اصطياد هدف، فهذا يعني أنها لا تزال تعمل بكفاءة.
هذا النهج متعدد الطبقات معقد، لكنه جوهر جهود إيران -إلى جانب دول مثل روسيا
والصين– للاستثمار في قدرات تستطيع مواجهة تكنولوجيا التخفي الأميركية. فعلى سبيل المثال، يقول مصممو منظومة "إس-400" إنها قادرة على التعامل مع الأهداف الشبحية عبر مزيج من رادارات المراقبة وصواريخ طويلة المدى وعالية السرعة تغمر منطقة الهدف. ويحاكي النظام الإيراني هذا المفهوم إلى حد بعيد.
وجدير بالذكر أن رادار "مطالع الفجر" كان من بين أبرز أهداف الضربة الجوية الإسرائيلية في 13 يونيو/حزيران الماضي (2025)، حيث استُهدفت مواقع الرادارات الواقعة غربي إيران بشكل خاص، خشية أن تُلتقط آثار المقاتلات الإسرائيلية خلال توغلها لتنفيذ الضربة الرئيسية. ولكن فيما يبدو، نجحت طهران في استعادة الجزء الأكبر من قدرات الدفاع الجوي الخاصة بها، بما يشمل الرادارات، قبيل الحرب الحالية.
