داخل محاكم عسكرية أمريكية غامضة على الأراضي البريطانية

قاعدة لاكنهيث الجوية في بريطانيا (غيتي)
10/8/2026
داخل قواعد جوية أمريكية قائمة على أرض بريطانية، كانت قضايا اتهام خطيرة تمضي في مسار قضائي بعيد عن المحاكم البريطانية، خلف أسوار تحمل ملامح واشنطن أكثر مما تحمل ملامح لندن، من دولار في المتاجر، ورقم طوارئ أمريكي، إلى محاكم عسكرية لا يعرف الجمهور عنها إلا القليل.
في هذا المكان، كشفت غارديان في تحقيق لها عن مسار قضائي شبه مغلق واجهته نساء في بريطانيا اتهمن عسكريين أمريكيين متمركزين أو عاملين هناك بجرائم خطيرة، بينها الاغتصاب والاعتداء الجنسي، ولكن بدل أن تُنظر القضايا أمام محاكم بريطانية، انتقلت إلى محاكم عسكرية أمريكية، مما حرم المدعيات -وفق الصحيفة- من حقوق وحماية كان يمكن أن يحصلن عليها داخل نظام القضاء البريطاني.
وبحسب التحقيق، لا تقتصر المشكلة على مكان المحاكمة، بل على طبيعة هذا النظام نفسه، فالمتهمون حُوكِموا أحيانا على تهم أخف مما كان يمكن أن يواجهوه في المحاكم البريطانية، بينما تتكون هيئات الحكم في هذه المحاكم من عسكريين أمريكيين، غالبًا من القاعدة نفسها التي ينتمي إليها المتهم.

مقاتلة "إف-15" على ساحة قاعدة لاكنهيث الجوية في بريطانيا (غيتي)
محاكم خلف الأسوار
تجعل الصحيفة من قضية سارة ستيل، وهي أكاديمية من كامبريدج، مدخلا لفهم هذا العالم الموازي. فقد حضر مراسلوها محاكمة عسكرية في قاعدة لاكنهيث، أكبر قاعدة أمريكية في بريطانيا، حيث أُدين الطيار الأمريكي الكابتن جاكوب ولفسون بخنق ستيل والاعتداء عليها، ولكنه بُرئ من تهم مرتبطة بالاعتداء الجنسي، وكانت هيئة الحكم مؤلفة من 8 ضباط رجال في سلاح الجو الأمريكي.
ونقلت غارديان عن ستيل وصفها الوقوف في منصة الشهادة بأنه كان "مؤلما ومهينا للغاية"، وبدا لها "تطفليا وبلغة عفا عليها الزمن"، وتقول الصحيفة إن المشتكيات في قضايا الجرائم الجنسية المزعومة داخل هذه المحاكم قد يتعرضن لاستجواب أكثر اقتحاما وترهيبا مما قد يواجهنه في محكمة بريطانية.
جزء من أمريكا
وتصف الصحيفة القواعد الأمريكية في بريطانيا باعتبارها فضاءات شبه منفصلة خلف الأسوار، حيث المتاجر تعرض منتجات أمريكية، والدفع داخل المقاهي والمتاجر بالدولار لا بالباوند، ورقم الطوارئ هو 911.
وينقل التحقيق عن أحد صحفييه أن دخول القاعدة يشبه العبور إلى "جزء من الولايات المتحدة" داخل بريطانيا.
لكن ما بدا للصحيفة أشد خطورة هو خفاء الإجراءات نفسها، فبحسب التحقيق، لولا حضور الصحفيين ومتابعتهم، لما عُرفت تفاصيل كثيرة مما جرى، إذ كان السجل العام المتاح لا يتجاوز إدخالات محدودة على موقع عسكري أمريكي مغمور. 
خلف رموز التحالف يطرح التحقيق سؤالا أكثر حساسية عن حدود الشراكة العسكرية وسيادة القضاء (غيتي)
سيادة وعدالة
وتقول غارديان إن قضية ستيل لم تكن معزولة، بل فتحت الطريق للصحفيين إلى البحث عن حالات أخرى، وإلى سؤال أوسع عن نظام قانوني يسمح لعسكريين أمريكيين متهمين بجرائم على أرض بريطانية بتجنب المحاكم البريطانية.
وقد تنازلت ستيل عن حقها في عدم الكشف عن هويتها -وفق الصحيفة- للمساعدة في كشف أثر هذا النظام الموازي وجسامته.
وبحسب التحقيق، أثارت السلسلة الأولى من التقارير، التي نُشرت في يونيو/حزيران، قلقا فوريا داخل الحكومة البريطانية بشأن الطريقة التي تفادى بها عسكريون أمريكيون القضاء البريطاني رغم اتهامهم بجرائم خطيرة داخل البلاد، كما برزت انتقادات برلمانية لنظام المحاكم العسكرية، بسبب حرمانه صاحبات الشكوى من حقوق وضمانات مهمة.
وتضيف الصحيفة أن الحكومة البريطانية وقادة الشرطة فتحوا مراجعة لمعرفة لماذا أحالت بعض أجهزة الشرطة البريطانية هذه القضايا إلى محققين عسكريين أمريكيين، بدل أن تبقى ضمن مسار التحقيق والقضاء في بريطانيا.
كما اجتمع وزراء مع ستيل لمناقشة قضيتها وما تطرحه من أسئلة أوسع، بينما قال متحدث حكومي إن الوزراء ملتزمون باستخلاص الدروس لضمان دعم الضحايا والتعامل معهم بالجدية والكرامة والرحمة التي يستحقونها.
المصدر: غارديان + الجزيرة نت