فلوريدا اليوم ليست ولاية عادية على خريطة حروب المناهج الدراسية الأمريكية. تصدّرت في العام الدراسي 2023-2024 قائمة الولايات الأكثر حظرًا للكتب بـ4,561 حالة – ما يقارب نصف إجمالي الحظر في البلاد بأسرها. أُزيلت من مكتباتها المدرسية أعمال مايا أنجلو وتوني موريسون. أُقرّت مناهج تقول إن بعض المستعبَدين "طوّروا مهارات يمكن تطبيقها لمصلحتهم الشخصية"، وهو ما وصفته نائبة الرئيس الأمريكي آنذاك
كامالا هاريس بـ"التاريخ المُراجَع" و"الإهانة الصريحة."
هذا كله يسبق الأوامر التنفيذية التي أصدرها الرئيس ترامب في يناير/كانون الثاني 2025، والتي أنهت مكاتب التنوع والمساواة والشمول (DEI) في
الحكومة الفيدرالية، وهدّدت بقطع التمويل عن المدارس التي لا تمتثل.
بحلول مارس 2025 كانت أكثر من خمسين جامعة قيد التحقيق. وفي هذا المناخ تحديدًا، يجلس مارفن دون تحت شجرة ويُوزّع كتابًا حُظر داخل الفصول.
وُلد دون عام 1940 في أسرة عمالية مهاجرة كانت تتنقل بين فلوريدا
ونيويورك موسميًا لقطف الخضار والفاكهة. والده عامل في البساتين، وأمه طاهية في بيوت البيض.
لم يكن في سيرته ما يُنبئ بأنه سيُصبح الصوت الأعلى في مواجهة ما يُسميه "المحو المنهجي" لتاريخ السود في ولايته. التحق بكلية مورهاوس الشهيرة عبر برنامج قبول مبكر ممول من مؤسسة فورد، وكان بين زملائه ماينارد جاكسون الذي سيصبح أول عمدة أسود لأتلانتا. أمضى أربعًا وثلاثين سنة أستاذًا لعلم النفس في جامعة فلوريدا الدولية، وبعد تقاعده عام 2006 لم يرحل – بل تحوّل من أكاديمي يُدرّس إلى مؤرخ شعبي يُحارب.
مؤلفاته تحكي ما لا تحكيه المناهج: "أعمال شغب ميامي 1980″، و"ميامي السوداء في القرن العشرين"، و"الوحشية في فلوريدا: تاريخ العنف ضد السود."
هذا الأخير هو الكتاب الذي يقول دون صراحةً إنه "غير مسموح بمناقشته في مدارس فلوريدا" بموجب قانون
"أوقفوا الووك" (Stop WOKE Act). الطرافة المرّة أن الكتاب موثّق وأكاديمي، صادر عن مطبعة جامعة فلوريدا نفسها.
وحتى سنوات قليلة مضت، كانت
كلمة "Woke" (معناها الحرفي "استيقظت") تعني أن تكون متيقظا للظلم والتمييز العنصريين، وكان يستخدمها بصورة حصرية الأميركيون السود. ومع ذلك، وبسبب ما تعرفه أميركا من حرب ثقافية ضروس، واستقطاب حاد غير مسبوق فيها، تطور استخدام الكلمة لتصبح سلاحا في يد المحافظين، يوجهون بها سهاما ساخرة وإهانات مباشرة إلى سياسات النخبة الليبرالية ومواقفها وفكرها.
كتابه الجديد الموجّه لتلاميذ المرحلة الإعدادية، "تاريخ الأمريكيين الأفارقة في فلوريدا" الواقع في 244 صفحة، يبدأ من عام 1513 حين وصلت مجموعة من الرجال السود إلى ما يُعرف اليوم بفلوريدا مع المستكشف الإسباني خوان بونس دي ليون – قبل أن تطأ أقدام المستعمرين البريطانيين هذه الأرض بعقود.
يمضي الكتاب عبر العبودية والحرب الأهلية وقوانين الفصل العنصري
وحركة الحقوق المدنية، ليصل إلى شخصيات كالقاضية كيتانجي براون جاكسون أول امرأة سوداء في المحكمة العليا، والسيناتورة الراحلة كاري ميك أول امرأة سوداء تمثّل فلوريدا في الكونغرس. تضمّن الكتاب أيضًا سيرًا لرائدة الفضاء ماي جيمسون والكاتبة زورا نيل هيرستون.
لكن دون أقرّ بأنه أغفل بعض القصص الأكثر دموية – كمذبحة روزوود وإعدام ويلي جيمس هوارد – معتبرًا أنها ليست مناسبة لأعمار المرحلة الإعدادية، مع تأكيده أنه "لا يريد إخفاء أي شيء يتعلق بالأذى الذي لحق بالسود." ثمة توتر حقيقي في هذا الموقف، يعكس مأزق كل من يُريد تعليم الحقيقة لأطفال دون التحويل التعليمي إلى صدمة نفسية.